
## الجزء الثالث: شد الحبل نزلت من عندها والدرج كان بيتهز تحت رجلي من كتر الغليان اللي جوايا، بس في نفس الوقت كنت حاسة بنصر صغير؛ الأقنعة اتكلفت، واللعب بقا عيني عينك. “السند”! الهانم مسمية جوزي السند؟ ماشي يا أبو العيال، لما نشوف السند ده هيشيل حمول كام بيت لما تقع فوق دماغه. رجعت شقتي، لقيت الباشا قاعد في الصالة، لابس ومتشيك على الآخر وريحته برفن قالبة المكان. أول ما دخلت، بصلي بنظرة تحدي وقال وهو بيعدل ساعة إيده:
– “كنتي فين يا ليلى؟” – “كنت عند السند بتاعك وبتاعها يا أبو العيال.. كنت بعيد على مرات أخوك الغالي.” اتسمر مكانه، والالوان خطفت من وشه، وعرف إن الكلمة “السند” وراها إنّ. بس حاول يلم نفسه بسرعة وزعق: – “أنتي هتقعدي تلقحي بالكلام؟ أنا نازل ورايا مشاوير ومش راجع غير على بالليل، واعملي حسابك.. من هنا ورايح مصاريف بيت مراد الله يرحمه عليا، أنا مش هسيب عيال أخويا يشحتوا وأنا عايش.” بصيت له من فوق لتحت ببرود تام، وقلتله:
– “وماله يا أبو العيال، الشهامة حلوة ومفيش كلام.. بس المصاريف دي منين؟ من ورث أبوك اللي خلص؟ ولا من مرتبك اللي يدوب مكفينا بالعافية ومخليني بظبط اللقمة على قد العيال؟” – “دبريها أنتي بقى.. الست ملهاش عائل، وأنا الراجل المسؤول!” قال جملته دي ورزع الباب وراه ونزل. قعدت على الكنبة، والمرة دي مدمعتش. مسكت ورقة وقلم، وبدأت أحسبها بالمليم. جوزي مرتبه معروف، والقرش اللي هيطلع لبيت تاني يعني عيالي هيتحرموا من لقمة أو لبس. وأنا مش هسمح لـ “عنتر فجلة” يعيش دور حاتم الطائي على حساب لحمي ودمي.
نزلت الظهر رحت لأم جوزي (حماتي). حماتي ست شديدة وبتاعت أصول، ورغم إنها بتحب مرات ابنها المتوــ,,ـــــفي وبتصعب عليها، بس برضه ست حقانية ومبتحبش العوج. دخلت وسلمت، وقعدت معاها وشربنا الشاي، وبدأت الكشف: – “بقولك إيه يا أمي.. هو أحمد حكالك على موضوع الطوب اللي انحدف على بلكونة شيماء امبارح بالليل؟” حماتي عقدت حواجبها وبصتلي باستغراب: – “طوب إيه يا بنتي؟ لا محدش قالي حاجة. وأحمد إيه اللي عرفه؟” – “أصل شيماء كلمته الساعة واحدة بالليل وقالتله الحقني برتعب، والباشا سابني وساب العيال نايمين ونزل جري قعد عندها لحد الساعة اتنين الصبح عشان يطمنها ويطرد العيال الصايعة.”
حماتي وشها اتقلب وضــ,,ـــــربت على صدـ,,ـــرها: – “يادي المصيبة! ينزل في نص ليل العيد يروح لست وحيدة في شقتها؟ وهي ملقيتش إلا أحمد تكلمه؟ فين أخوها؟ وفين أبوها اللي في الشارع اللي ورا؟” – “أهو ده اللي حصل يا أمي.. ومش بس كده، الباشا جاي يقولي إنه من هنا ورايح المسؤول عنها وعن مصاريفها، والهانم مسجلاه عندها على التليفون باسم (السند)!” حماتي وقفت وقالت بغضب: – “السند لما يقطم وسطها! ده ابني أنا عارفاه، خيبان وبيمشي ورا حسه، وهي شكلها لوت دماغه بكلمتين غلب. اطلعي شقتك يا ليلى، وحقك هيجيلك.. بس اتقلي.”
رجعت شقتي وأنا حاسة إن أول خيط في اللعبة بدأ يتسحب. الساعة جت تسعة بالليل، والباشا لسه مرجعش. وفجأة، لقيت تليفوني بيرن.. كانت شيماء! رديت ببرود: – “أهلاً يا مرات أخويا.. خير؟” صوتها كان متغير، مكسور وفيه نبرة عياط مصطنعة: – “الحقيني يا ليلى.. حماتي عندي هنا في الشقة، وقالبة الدنيا عليا ومقعدالي أخويا وأبويا، وبتقولي لو أحمد عتب باب الشقة دي تاني هفضحكم في المنطقة.. وأحمد تليفونه مقفول، كلميه خليه يتصرف!” ضحكت في سري ضحكة انتصار، وقولتلها بمنتهى الهدوء:
– “وأنا مالي يا حبيبتي؟ مش أنتي عندك (السند)؟ لما يفتح تليفونه ابقي خليه يتصرف مع أمه وأهلك.. أنا ماليش دعوة بأسرار البيوت!” قفلت السكة في وشها، وقعدت حاطة رجل على رجل مستنية “عنتر” لما يرجع وشوف هيعمل إيه بعد ما السقف بدأ يقع على دماغه.. والدور الباقي عليه هو. ## الجزء الرابع: حــ,,ـــــريق في المعسكرين الساعة دقت اتناشر بالليل، والباب اتفتح. دخل “عنتر زمانه” وعيونه بتطلع شرار، وشه كان أحمر وعروق رقبتها بارزة من كتر العصبية. رزع المفاتيح على الترابيزة لدرجة إن الخشب كاد يتكسر، وقرب مني وهو بيزعق بصوت هز شقتنا:
– “أنتي إيه اللي هببتيه ده؟ أنتي روحتي سخنتي أمي عليا؟ وخليتيها تلم أهو وأبو شيماء وتعمل فضيحة في وسط المنطقة وتتهم الست في شرفها؟” قمت من على الكنبة بمنتهى الثبات، حطيت إيدي في وسطي وبصيت له وعيني في عينه: – “أنا مسخنتش حد يا أبو العيال.. أنا روحت لحماتي، أمك، وعيدت عليها وحكيت لها بأدب عن ‘شهامتك الزايدة’ اللي مأخرالك لحد وش الصبح يوم العيد. وأمك ست بتاعت أصول وعارفة الصح من الغلط، وهي اللي شافت إن قعدتك هناك في نص الليل عوج وميرضيش ربنا.. ولا أنت زعلان عشان أهملت في حماية ‘عرضك وشرفك’ وأهلها جم يشيلوا مكانك؟”
قرب مني أكتر وهو بيجز على سنانه، ورفع صباعه في وشي: – “أنتي بتلعبني يا ليلى؟ فاكرة لما تدخلي أمي في الموضوع هتلوي دراعي؟ الست ملهاش ذنب، والغل اللي جواكي هو اللي مخليكي تشوفي كل حاجة غلط! شيماء مكسورة، وأنا مش هسيبها عشان كلام نسوان!” ضحكت بسخرية: – “كلام نسوان؟ لما أمك وأهلها يقولوا إن دخولك وخروجك هناك ملوش لازمة يبقى كلام نسوان؟ طب اسمع بقى يا أحمد.. المصاريف اللي قولت هتشيلها دي، لو نقص من حق عيالي جنيه واحد، مش أمك بس اللي هتدخل، أنا هقلب الدنيا على دماغك ودماغها، واللعب اللي تحت الترابيزة ده خلاص بح!”
سابني ودخل البلكونة وهو هيتجنن، وطلع تليفونه وفضل يتكلم بصوت واطي ومخنوق. مكنتش محتاجة أسمع عشان أعرف إنه بيكلم “السندباد” بتاعته بيطيب خاطرها ويوعدها إنه مش هيتخلى عنها. تاني يوم الصبح، نزلت أشتري طلبات من المحل اللي تحت بيتنا. وأنا واقفة بحاسب، لقيت جارتنا أم محمد غمزتلي وقالتلي بصوت واطي: – “بقولك إيه يا أم العيال.. هي شيماء مالها؟ أنا شوفتها الصبح نازلة ومتشيكة ع الآخر وركبت تاكسي، وكانت عمالة تتكلم في التليفون وتقول: ‘أنا رايحة للمحامي أهو والورق جاهز’.. هي ناوية على إيه؟”
دمي بدأ يغلي، بس رسمت البرود قدام الست وقلت لها: “تلقيها بتخلص ورق المعاش بتاع جوزها الله يرحمه يا أم محمد”. لكن عقلي مكنش مصدق الكلام ده. ورق معاش إيه اللي هتروح له بعباية استقبال شيك وفي تاني أيام العيد؟ الخطة وراها حاجة تانية. طلعت شقتي وقفلت الباب، وقعدت أفكر. الست دي مش سهلة، وحركتها بتاعة امبارح مع أهلها لما اتزنقت خلتها تاخد خطوة سريعة. مسكت تليفوني وقررت ألعب بورقة تانية خالص.. ورقة “المال”.
أحمد جوزي كان شريك مع أخوه الله يرحمه في محل قطع غيار صغير، والمحل ده هو اللي بيطلع منه قرش زيادة جنب مرتبه. اتصلت بالبسطاوي، الراجل الكبير اللي شغال في المحل من أيام أبوهم، وهو بيحبني وبيقدرني جداً. – “أهلاً يا عم بسطاوي، كل سنة وأنت طيب.” – “وأنتي طيبة يا بنتي، خير يا ليلى يا بنتي في حاجة؟” – “كنت عايزة أسألك يا راجل يا طيب.. هو أحمد طلب منك فلوس أو جرد للمحل قريب؟”
الراجل سكت شوية وبعدين قال بنبرة قلقانة: – “والله يا بنتي مش عارف أقولك إيه.. أحمد جه قبل العيد بيومين وأخد كل الأرباح اللي في الخزنة، وقالي متقولش لحد، ولما سألته قالي دي مصاريف طارئة لبيت أخويا مراد.” هنا الصدمة لجمتني.. أحمد سحب أرباح المحل كلها اللي كنا شايلينها لمدارس العيال وعملية ابني الصغير! وسحبها عشان يوديها هناك! الساعة جت ستة المغرب، وأحمد دخل الشقة، ملامحه كانت هادية كأنه انتصر في معركة، وبصلي ببرود وثقة وقال:
– “جهزي نفسك يا ليلى.. عشان من بكرة، الأمور هتتغير في البيت ده، والكل هيعرف مقامه.” وقفت قدامه وسألته بقلب ميت: – “أمور إيه اللي تتغير يا أبو العيال؟” طلع من جيبه ورقة مطوية، وحطها على الترابيزة بكل فخر وقال: – “دي قسيمة توكيل عام من شيماء ليا.. عشان أدير أملاك أخويا والمحل، ومن هنا ورايح أنا وصي على عيال أخويا وعلى كل قرش يدخل ويخرج.. يعني رجلي هناك هتبقى ليل نهار بحكم القانون، ومحدش يقدر يفتح بقه.. لا أنتي ولا أمي!”
بصيت للورقة، وابتسمت ضحكة صفرا، لأني عرفت إن التوكيل ده مش مجرد إدارة أملاك.. ده كان التمهيد لـ “قسيمة تانية” هما بيخططوا ليها من ورا ظهري، واللعب بقا على حافة الهاوية.
