
الفصل الخامس “فارس المنصوري… هو أبوك الحقيقي.” الجملة نزلت على الغرفة كأنها صاعقة. ليان حدقت في سليم. ثم في نجلاء. ثم في الطبيب. وكأنها تنتظر من أي شخص يقول إن ده مجرد خطأ. مجرد سوء فهم. مجرد كابوس. لكن محدش اتكلم. محدش نفى. ومحدش قدر يخفف الصدمة. حست إن الأرض بتتهز تحتها. “لا…” خرجت الكلمة ضعيفة. “لا… أكيد التحليل غلط.” الممرضة هزت رأسها بحرج. “النتيجة اتراجعت مرتين.” ليان وضعت إيدها على رأسها. كل حاجة بقت مشوشة.
من يومين كانت فاكرة نفسها بنت لأسرة بسيطة. بعدها عرفت إنها متبناة. ثم اكتشفت إنها من عائلة الحديدي. ودلوقتي… أبوها الحقيقي طلع فارس المنصوري. أكبر خصم لعيلة الحديدي. رفعت رأسها ببطء ناحية نجلاء. “يعني إيه؟” نجلاء كانت تبكي. لكنها مسحت دموعها. وأمسكت يد ليان. “يعني إنك بنتي.” “بس سليم قال…” “أيوة.” أخذت نفسًا عميقًا. ثم قالت الحقيقة التي أخفتها خمسة وعشرين سنة. “أنا كنت متجوزة فارس.” سليم أغمض عينيه. أما ليان فشعرت أن قلبها توقف.
نجلاء أكملت بصوت مكسور: “قبل ما أبقى نجلاء الحديدي… كنت نجلاء المنصوري.” الصمت خيم على المكان. حتى الأجهزة الطبية بدت أعلى من المعتاد. “أنا وفارس اتجوزنا عن حب.” “إيه؟” “كنا بنحب بعض جدًا.” انهمرت دموعها أكثر. “لكن العيلتين كانوا رافضين الجواز.” ليان استمعت وهي عاجزة عن الكلام. “بعد سنين من المشاكل والخلافات… حصلت كارثة.” “إيه اللي حصل؟” أخفضت نجلاء رأسها. “اتهموا فارس بخيانة العيلة.” “وكان بريء؟” “أيوة.” دخل سليم الكلام لأول مرة. “بس وقتها ماحدش صدقه.”
نجلاء أكملت: “طلقنا تحت الضغط.” ثم نظرت إلى ليان. “وأنتِ كنتِ لسه رضيعة.” دموع ليان نزلت. “وبعدين؟” “بعد أيام من ولادتك… اختفيتي.” صوتها انكسر تمامًا. “اختفيتي من المستشفى.” شهقة خرجت من ليان. “وفارس؟” أغمضت نجلاء عينيها. “فارس اتجنن.” في نفس اللحظة… على بعد عشرات الكيلومترات. كان فارس المنصوري جالسًا في مكتبه. أمامه شاشة تعرض بثًا مباشرًا للمستشفى. مساعده وقف خلفه. “سيدي…” لكن فارس رفع يده. يسكته. عيناه كانتا معلقتين بصورة ليان. بعد كل هذه السنين.
بعد كل هذا العذاب. أخيرًا يراها. كبرت. أصبحت امرأة. وأصبحت أمًا. لم يشعر بالدموع وهي تنزل من عينيه. حتى سمع صوت مساعده. “هتقولها الحقيقة إمتى؟” ظل صامتًا. ثم قال: “قريب.” “وماذا عن الشخص اللي خطفها؟” اختفت كل مشاعر الحزن من وجه فارس. وحل مكانها غضب مرعب. “هيتحاسب.” في المستشفى… خرج الجميع من الغرفة بناءً على طلب الطبيب. ليان كانت محتاجة راحة. لكنها لم تستطع النوم. كل الذكريات كانت تمر أمامها. طفولتها. أمها بالتبني. أيامها مع كريم.
خيباتها. وأسئلتها الجديدة. وفجأة… دخلت امرأة عجوز الغرفة. كانت ترتدي ملابس التنظيف. وتدفع عربة صغيرة. ليان لم تنتبه لها في البداية. لكن المرأة اقتربت من السرير. ثم وضعت شيئًا صغيرًا تحت الوسادة. واستدارت لتغادر. “استني.” قالتها ليان. توقفت المرأة. لكنها لم تلتفت. ثم قالت بصوت خافت: “أبوك ما سابكيش يوم واحد.” وتحركت بسرعة خارج الغرفة. قفز قلب ليان. أخرجت الشيء من تحت الوسادة. كان مفتاحًا صغيرًا جدًا. ومربوطًا به ورقة. فتحتها بسرعة. وقرأت: “الخزانة رقم 17… محطة مصر القديمة.”
تجمدت. وفي نفس اللحظة… دخل سليم الغرفة. وشاف الورقة في إيدها. “إيه ده؟” ليان أعطته الورقة. قرأها. وشحب وجهه. “مين جابها؟” حكت له ما حدث. فسحب هاتفه فورًا. واتصل برجاله. “هاتولي تسجيلات الكاميرات كلها.” بعد عشر دقائق… وصل التقرير. والنتيجة كانت مرعبة. لم تظهر أي امرأة عجوز في الكاميرات. ولا دخلت الغرفة أصلًا. نظر الضابط لسليم بتوتر. “يا فندم… الكاميرات ما سجلتش حد.” سليم أخذ نفسًا بطيئًا. ثم نظر إلى المفتاح. كان يعرف رقم الخزانة.
ويعرف المحطة. لأنها نفس الخزانة التي استأجرها شخص مجهول قبل خمسة وعشرين عامًا. في اليوم الذي اختفت فيه ليان. وفي اللحظة نفسها… رن هاتف سليم. رد بسرعة. جاءه صوت أحد رجاله. “يا فندم… لقينا حاجة.” “إيه؟” “رنا.” “فينها؟” الصمت جاء لثوانٍ. ثم قال الرجل: “لقينا عربيتها.” قبض سليم على الهاتف. “ورنا؟” جاءه الرد الذي جمد الدم في عروقه: “رنا اختفت.” ثم أكمل الرجل: “لكن لقينا رسالة مكتوبة بالدم على باب العربية.” “مكتوب فيها إيه؟” الصوت جاء مرتعشًا:
“الحقيقة بدأت.” يتبع…الفصل السادس “الحقيقة بدأت.” سليم فضل ماسك التليفون ثواني طويلة بعد ما المكالمة انتهت. الجملة دي ما كانتش مجرد تهديد. كانت إعلان حرب. رفع عينه ناحية ليان. لقاها باصة له بقلق. “فيه إيه؟” تردد للحظة. لكن قرر يقول الحقيقة. “رنا اختفت.” ليان اتفاجئت. “اختفت؟” “وعربيتها اتلقت فاضية.” سكت ثانية. ثم أكمل: “وفي رسالة مكتوبة بالدم.” شحب وجه ليان. لأنها بدأت تحس إن كل الناس اللي ليهم علاقة بقصتها بيتسحبوا واحد واحد داخل دوامة غريبة.
في نفس الليلة… وصل فارس المنصوري إلى قرار أخير. وقف قدام صورة قديمة لنجلاء وهي شابة. كان محتفظ بيها من أكتر من خمسة وعشرين سنة. ولا مرة قدر يرميها. ولا مرة قدر ينساها. رغم الغضب. رغم الفراق. رغم كل شيء. مد إيده ولمس الصورة. وهمس: “خلاص.” ثم التفت لمساعده. “جهز العربية.” “رايح فين يا سيدي؟” نظر من الشباك. “هشوف بنتي.” — في المستشفى… كانت الساعة قربت من منتصف الليل. الهدوء مالي الممرات. ليان بدأت تحس بإرهاق شديد.
وأخيرًا قدرت تنام. لكن بعد حوالي ساعة… استيقظت على صوت غريب. فتحت عينيها ببطء. الأنوار كانت مطفية. وباب الغرفة مفتوح سنة صغيرة. في البداية افتكرت إنها بتحلم. لكن بعدها سمعت خطوات. خطوات بطيئة. منتظمة. قريبة جدًا. قلبها بدأ يدق بعنف. مدت إيدها ناحية زر استدعاء الممرضة. لكن قبل ما تضغطه… ظهر شخص عند الباب. رجل طويل. واقف وسط الظلام. ملامحه مش واضحة. ليان شهقت. “مين هناك؟” الرجل ما ردش. وتقدم خطوة. ثم خطوة. لحد ما دخل الضوء على وجهه.
وفجأة… اتسعت عيون ليان. الصورة اللي كانت شافتها قبل ساعات. الصورة القديمة. نفس الملامح. نفس العينين. نفس الوجه. الرجل وقف مكانه. والدموع لمعت في عينيه. وقال بصوت مبحوح: “ليان.” شهقة خرجت منها. “إنت…” أخذ نفسًا عميقًا. ثم قال: “أنا فارس.” — في اللحظة دي بالضبط… وصل سليم للمستشفى بعد مكالمة طارئة. أحد رجاله كان اكتشف حاجة مهمة جدًا في ملف اختفاء ليان. كان طالع بسرعة ناحية غرفتها. لكن فجأة لمح شخصًا خارجًا من المصعد. فتجمد مكانه.
فارس المنصوري. بعينه. في المستشفى. في نفس المبنى اللي فيه ليان. اشتعل الغضب في عينيه فورًا. واتجه ناحيته. لكن فارس كان أسرع. دخل الغرفة. وأغلق الباب خلفه. — داخل الغرفة… ليان كانت تنظر إليه وكأنها لا تصدق. كل الأسئلة. كل الحيرة. كل الأسرار. واقفة قدامها دلوقتي في صورة إنسان. فارس اقترب ببطء. ثم توقف على مسافة آمنة. كأنه خايف حتى من مجرد الاقتراب. “أنا عارف إنك خايفة.” صمت. “وعارف إنك محتاجة مليون إجابة.” دموع ليان نزلت.
“إنت فعلاً أبويا؟” أغلق عينيه للحظة. ثم قال: “أيوة.” وبمجرد ما نطقها… انكسر شيء داخله. خمسة وعشرون سنة من الانتظار. من البحث. من الندم. من العذاب. خرجت كلها في لحظة واحدة. جلس على الكرسي القريب. وكأنه لم يعد قادرًا على الوقوف. “أنا دورت عليكي في كل مكان.” صوته كان يرتعش. “كل سنة.” “كل شهر.” “كل يوم.” ليان كانت تسمع. وقلبها يتخبط بين الغضب والشفقة. “ليه ما لقيتنيش؟” رفع رأسه. وفي عينيه ألم حقيقي. “لأن اللي خطفك كان أذكى مننا كلنا.”
— في نفس اللحظة… وصل سليم إلى الباب. وكان على وشك الدخول. لكن أحد رجاله اتصل به. “يا فندم.” “إيه؟” الصوت جاء متوترًا. “فتحنا الخزانة رقم 17.” تجمد سليم. “ولقيتوا إيه؟” الصمت استمر ثواني. ثم جاء الرد. “ملفات.” “أي ملفات؟” “ملفات عن اختفاء أطفال.” سليم شعر بقشعريرة تسري في جسده. لكن الرجل لم يكن قد انتهى. “وفي حاجة تانية.” “إيه؟” “لقينا دفتر حسابات.” “وبعدين؟” الصوت أصبح أكثر ارتباكًا. “الدفتر فيه أسماء ناس كبار جدًا.” “مين؟”
الرجل بلع ريقه. ثم قال: “اسم والد رنا.” “وده طبيعي.” “واسم مدير المستشفى.” “كمّل.” وجاءت الجملة التي قلبت كل شيء: “وفيه اسم شخص تالت.” سليم قبض على الهاتف. “مين؟” الرجل رد بصوت منخفض: “اسم كريم.” — داخل الغرفة… كان فارس ما زال يتحدث مع ليان. لكن فجأة الباب انفتح بعنف. دخل سليم. وعينه مليانة غضب. نظر مباشرة إلى فارس. ثم إلى ليان. ثم قال جملة واحدة: “كريم متورط.” الصمت انفجر داخل الغرفة. ليان اتجمدت. “إيه؟”
سليم رمى صورة من الملف على السرير. “اسمه موجود في دفتر العمليات.” ليان أمسكت الصورة بيد مرتعشة. لكنها شهقت فور ما شافتها. لأن الصورة لم تكن لكريم وحده. كانت صورة قديمة جدًا. مأخوذة قبل خمسة وعشرين سنة. وفيها ثلاثة أشخاص. مدير المستشفى. والد رنا. وشخص ثالث. شخص يشبه كريم بشكل مخيف. لكن عمر الصورة أقدم من عمره. رفعت ليان رأسها بصدمة. “ده مش كريم…” سليم أخذ الصورة. ثم شحب وجهه. لأنه فهم الحقيقة قبل الجميع.
وهمس: “يا نهار أبيض…” “إيه؟” نظر إليهم ببطء. ثم قال: “ده مش كريم…” “أمال مين؟” وأجاب سليم: “ده أبوه.” يتبع…
