
بصيت للباب وكأن عيني هتخرقه، الإحساس إن الجرس ممكن يرن في أي لحظة خلاني مش قادرة أركز في حاجة تانية، بس في نفس الوقت كان في طفل قاعد جنبي محتاجني، مش محتاج واحدة واقفة مستنية شبح من الماضي، رجعت بصيت لآدم لقيته نام تاني على الكنبة وهو ماسك طرف هدومي بإيده الصغيرة كأنه خايف أسيبه، قعدت جنبه بهدوء وفضلت أملس على شعره، شعور غريب جدًا…
خليط بين الأمومة اللي اتسـ,ـرقت مني زمان، والخوف من إني أكون بتخدع دلوقتي، بس الإحساس الأقوى كان إني مش قادرة أبعد عنه، كأنه مربوط بيا بخيط مش باين، فضلت كده شوية لحد ما قررت إني لازم أتحرك، مش هينفع أعيش في الدوامة دي من غير ما أعرف الحقيقة، دخلت أوضتي وطلعت هدوم ليه من لبس قديم كنت محتفظة بيه من غير سبب، يمكن كنت بضحك على نفسي ساعتها، يمكن كنت مستنية معجزة، خرجتله ولقيته صحي وباصص حوالينه بقلق، أول ما شافني جري عليا وقال “ماما متروحيش” حضـ,ـنته وقلت له “مش هروح يا حبيبي، أنا معاك” الكلمة بقت بتطلع بسهولة أكتر…
وكأنها مكانها الطبيعي، لبسته وخرجنا من البيت وأنا مقررة أروح المستشفى اللي اتولدت فيها زمان، يمكن ألاقي خيط يوصلني بالحقيقة، الطريق كان طويل وأنا ساكتة، وآدم قاعد جنبي في العربية بيبص من الشباك وبيسألني أسئلة بسيطة عن الشارع والناس، كل كلمة بيقولها كانت بتغرز جوايا أكتر، وصلنا المستشفى، نفس الريحة، نفس الجدران، كأن الزمن واقف، دخلت وأنا قلبي بيدق بعـ,ـنف، سألت على الأرشيف، بعد شوية طلعولي ملفي القديم، إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحه، دورت على تفاصيل الولادة، لقيت تناقضات أكتر…
مفيش توقيع واضح للدكتور، اسم الممرضة مش مكتوب كامل، حتى وقت الوفـ,ـاة مختلف بين ورقتين، بصيت للموظفة وقلت لها “أنا عايزة أعرف الحقيقة…
ابني مات فعلاً ولا لا؟” بصتلي باستغراب وقالت “إحنا بنسجل اللي بيحصل يا مدام… لو في حاجة كانت هتبان” بس أنا كنت شايفة بعيني إن في حاجة غلط، خرجت من هناك وأنا حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجلي، آدم مسك إيدي وقال “إنتي زعلانة ليه؟” بصيت له وابتسمت بالعافية “لا يا حبيبي… مفيش حاجة” بس جوايا كان في إعصار، رجعنا البيت، وأنا قررت أدور في حاجة تانية، يوسف… أكيد في حد يعرف هو كان فين طول السنين دي، مسكت تليفوني وبدأت أدور على أي حد من صحابه القدام، بعد مكالمات كتير، واحدة فيهم ردت عليا، كانت بنت اسمها دينا، صوتها اتغير أول ما سمعت اسمه، قالتلي “إنتي بتسألي عليه ليه دلوقتي؟” قلت لها “رجع… وبعدين اختفى تاني” سكتت شوية وبعدين قالت “يوسف مكنش طبيعي يا ندى… بعد اللي حصل زمان، اتغير… كان دايمًا بيتكلم عن ابن… عن إنه خسره بس مش مصدق، وبعد فترة اختفى خالص، سمعنا إنه سافر، وبعدين رجع بس محدش كان بيشوفه كتير” قلبي دق أسرع “طب والطفل؟” سكتت تاني وقالت “كنت سمعت إنه معاه طفل… بس محدش يعرف ده ابنه ولا لأ” قفلت معاها وأنا دماغي بتلف، كل حاجة بتأكد إن في سر كبير، رجعت بصيت لآدم، كان قاعد بيرسم على ورقة، قربت منه لقيته بيرسم بيت…
نفس شكل بيتي… وواحدة واقفة جنبه، قاللي “دي إنتي” سألت “طب ودي مين؟” قال “دي أنا… وده بابا… بس هو مشي” قلبي وجعني، الطفل ده متربي على حكاية كاملة… وأنا جزء منها من غير ما أعرف، الليل دخل علينا بسرعة، وآدم رفض ينام غير لما أنام جنبه، دخلت معاه الأوضة، أول ما حط راسه على المخدة مسك إيدي ونام، وأنا فضلت صاحيه، ببص للسقف وبفكر، يوسف عمل إيه فيا؟ خطف ابني؟ ولا أنقذه من حاجة؟ وليه مخلاش يعرفني؟ وليه رجعه دلوقتي؟ فجأة صوت خبط خفيف على الباب خلاني اتجمد، بصيت للساعة…
كانت ٢ الفجر، قلبي بدأ يدق بسرعة، قومت بهدوء علشان مصحيش آدم، خرجت للصالون، الصوت اتكرر، قربت من الباب وأنا مترددة، فتحت العين السحرية… ومكنش في حد، بس أول ما هميت أرجع، لقيت ظرف محطوط على الأرض قدام الباب، فتحته بإيد بتترعش، كان جواه صورة… صورة ليوسف شايل طفل رضيع… والطفل ده… كان آدم، وورا الصورة مكتوب “مش كل اللي حصل كان بإيدي”
دموعي نزلت، ده معناه إنه عايش… وبيوصل لي رسائل، بس ليه بالطريقة دي؟ دخلت تاني وأنا حاسة إن اللعبة بتكبر، مش مجرد حكاية طفل وراجل اختفى، دي شبكة أسرار وأنا في نصها، قعدت جنب آدم وبصيت له، حسيت إني مش بس بحميه… أنا كمان بدور على نفسي من خلاله، الصبح طلع وأنا لسه منمتش، آدم صحي وهو بيضحك وقال “صباح الخير يا ماما” الكلمة بقت تدفيني رغم كل حاجة، حـ,ـضنته وقررت إن مهما حصل، مش هسيبه، خرجنا نتمشى شوية علشان أصفّي دماغي، وفي نص الطريق حسيت إن في حد بيراقبنا، لفيت بسرعة… مفيش حد واضح، بس الإحساس فضل معايا، رجعنا البيت وأنا حاسة إن في حد قريب… بيراقب… مستني اللحظة المناسبة، ومع كل خطوة كنت باخدها، كنت متأكدة إن الحقيقة قريبة… بس تمنها هيكون غالي، وبصيت لآدم وهو ماسك إيدي وبيحكيلي عن لعبة شافها، وقلت لنفسي إن أي حاجة هتحصل… مش هسمح إنها تأذيه، حتى لو ده معناه إني أواجه يوسف… أو أواجه ماضي كنت فاكرة إنه انتهى، لأن اللي بدأ كليلة هادية… بقى حكاية هتغير حياتي كلها، وأنا المرة دي مش ههـ,ـرب…

