
ريم صحيت على صوت عصافير. وده لوحده كان كفيل يخليها تفتكر إنها ماتت. لأن آخر مرة سمعت فيها صوت عصافير الصبح بدل منبهات المستشفى وصفارات الأجهزة الطبية كانت من شهور. يمكن سنين. فتحت عينيها ببطء، والسقف الأبيض الناعم فوقها خلّاها تتوتر فورًا.
هي مش في شقتها.
الذاكرة رجعت مرة واحدة.
العربية. سليم الحديدي. المطر. عم رجب. الفيلا.
قعدت بسرعة زيادة، فرجلها وجعتها فورًا. — آآه…
بصّت حواليها بتوتر خفيف. الأوضة هادية جدًا. الستارة متسابة نص فتحة، ونور الصبح داخل ناعم على الأرضية الخشب. ريحة المكان نظيفة بطريقة مريحة، والبطانية الثقيلة فوقها كانت دافية بشكل خلا جسمها يعترض على فكرة إنه يقوم.
لكن عقلها سبق.
الساعة. دورت بسرعة على موبايلها الميت، وبعدها افتكرت إنه ميت أصلًا. — يا نهار أبيض… الباب خبط بخفة. ريم اتشدت تلقائيًا. — أيوه؟
مدام ناهد دخلت بابتسامة هادية وصينية في إيدها. — صباح الخير يا دكتورة.
ريم بصتلها بإحراج: — صباح النور… أنا آسفة جدًا والله على الإزعاج. — إزعاج إيه يا حبيبتي؟ ده البيت منور. الجملة البسيطة دي خلت ريم تبتسم غصب عنها. مدام ناهد حطت الصينية على الترابيزة. — سليم بيه قال تصحي لما ترتاحي. بس تقريبًا حضرتك عندك شيفت النهارده؟
ريم شهقت. — يا نهار إسود! الساعة كام؟
— تسعة إلا ربع. ريم قامت مرة واحدة. — أنا عندي شيفت عشرة! نسيِت رجلها. وفي اللحظة اللي وقفت فيها، الألم ضربها بعنف خلّاها تمسك طرف السرير. مدام ناهد قربت بسرعة. — بالراحة يا بنتي!
ريم ضغطت على أسنانها. — أنا لازم أمشي.
— طب افطري الأول. — والله لو قعدت دقيقة زيادة هترفد. مدام ناهد بصتلها بحنان مستغرباه. — معقولة الدنيا عندكم كده؟ ريم ضحكت ضحكة قصيرة وهي بتحاول تلبس الجزمة. — إحنا لو وقعنا في العمليات بيقولولنا قوموا بسرعة علشان الدور طويل.
مدام ناهد هزت راسها بحزن خفيف. — ربنا يقويكم.
في اللحظة دي، الباب اتفتح تاني. وسليم دخل. ريم رفعت عينها تلقائيًا… واتجمدت ثانية. لأنه ماكانش لابس بدلة.
تيشيرت أسود بسيط، وبنطلون رمادي، وساعة في إيده. شكله أهدى بكتير من إمبارح. وأصغر. وأخطر بطريقة غريبة.
سليم بص لها من فوق لتحت. — واضح إنك قررتي تكسري رجلك رسمي. ريم اتكسفت إنها واقفة متعلقة في السرير. — أنا كويسة. — الجملة دي بقت كدبة متكررة. مدام ناهد ابتسمت بخبث صغير. — سيبها لك بقى يا سليم بيه، أنا هنزل أشوف الفطار.
أول ما خرجت، الصمت نزل ثانية.
ريم صحيت على صوت عصافير. وده لوحده كان كفيل يخليها تفتكر إنها ماتت. لأن آخر مرة سمعت فيها صوت عصافير الصبح بدل منبهات المستشفى وصفارات الأجهزة الطبية كانت من شهور. يمكن سنين. فتحت عينيها ببطء، والسقف الأبيض الناعم فوقها خلّاها تتوتر فورًا.
هي مش في شقتها.
الذاكرة رجعت مرة واحدة.
العربية. سليم الحديدي. المطر. عم رجب. الفيلا.
قعدت بسرعة زيادة، فرجلها وجعتها فورًا. — آآه…
بصّت حواليها بتوتر خفيف. الأوضة هادية جدًا. الستارة متسابة نص فتحة، ونور الصبح داخل ناعم على الأرضية الخشب. ريحة المكان نظيفة بطريقة مريحة، والبطانية الثقيلة فوقها كانت دافية بشكل خلا جسمها يعترض على فكرة إنه يقوم.
لكن عقلها سبق.
الساعة. دورت بسرعة على موبايلها الميت، وبعدها افتكرت إنه ميت أصلًا. — يا نهار أبيض… الباب خبط بخفة. ريم اتشدت تلقائيًا. — أيوه؟
مدام ناهد دخلت بابتسامة هادية وصينية في إيدها. — صباح الخير يا دكتورة.
ريم بصتلها بإحراج: — صباح النور… أنا آسفة جدًا والله على الإزعاج. — إزعاج إيه يا حبيبتي؟ ده البيت منور. الجملة البسيطة دي خلت ريم تبتسم غصب عنها. مدام ناهد حطت الصينية على الترابيزة. — سليم بيه قال تصحي لما ترتاحي. بس تقريبًا حضرتك عندك شيفت النهارده؟
ريم شهقت. — يا نهار إسود! الساعة كام؟
— تسعة إلا ربع. ريم قامت مرة واحدة. — أنا عندي شيفت عشرة! نسيِت رجلها. وفي اللحظة اللي وقفت فيها، الألم ضربها بعنف خلّاها تمسك طرف السرير. مدام ناهد قربت بسرعة. — بالراحة يا بنتي!
ريم ضغطت على أسنانها. — أنا لازم أمشي.
— طب افطري الأول. — والله لو قعدت دقيقة زيادة هترفد. مدام ناهد بصتلها بحنان مستغرباه. — معقولة الدنيا عندكم كده؟ ريم ضحكت ضحكة قصيرة وهي بتحاول تلبس الجزمة. — إحنا لو وقعنا في العمليات بيقولولنا قوموا بسرعة علشان الدور طويل.
مدام ناهد هزت راسها بحزن خفيف. — ربنا يقويكم.
في اللحظة دي، الباب اتفتح تاني. وسليم دخل. ريم رفعت عينها تلقائيًا… واتجمدت ثانية. لأنه ماكانش لابس بدلة.
تيشيرت أسود بسيط، وبنطلون رمادي، وساعة في إيده. شكله أهدى بكتير من إمبارح. وأصغر. وأخطر بطريقة غريبة.
سليم بص لها من فوق لتحت. — واضح إنك قررتي تكسري رجلك رسمي. ريم اتكسفت إنها واقفة متعلقة في السرير. — أنا كويسة. — الجملة دي بقت كدبة متكررة. مدام ناهد ابتسمت بخبث صغير. — سيبها لك بقى يا سليم بيه، أنا هنزل أشوف الفطار.
أول ما خرجت، الصمت نزل ثانية.
سليم لاحظ.
قال بدون تعليق: — كلي.
والطريقة اللي قالها بيها ماكانتش أمر. كانت أقرب لاهتمام هادي. وده لخبطها أكتر. بدأت تاكل بسرعة صغيرة في الأول… وبعدها أسرع. مش شره، لكن جوع حقيقي.
وسليم فضل ساكت.
ماحرجهاش. ماعلقش. مابصلهاش بطريقة تخليها تتوتر.
وده خلاها ترتاح غصب عنها.
بعد دقائق، قالت وهي بتشرب شاي: — البيت هادي أوي.
— ميزة.
— أنا لو قعدت هنا أسبوع هنام أسبوعين ورا بعض.
— تقدري. بصتله بسرعة. هو قالها بهدوء شديد كأنه عرض طبيعي. ريم ضحكت بإحراج. — لا شكرًا. أنا بحب شقتي المتهالكة. — واضح.
— عندنا رفاهية إن السقف مايقعش علينا.
— مستوى طموح معقول. ابتسمت. وبعدين، من غير مقدمات، سألها: — ليه طب؟ ريم استغربت السؤال. — إيه؟
— ليه دخلتي طب؟
سكتت لحظة. الناس عادة بتسألها: “كام مجموعك؟” “أهلك دكاترة؟” “ناوية تخصص إيه؟” لكن “ليه؟”… دي قليلة. بصت في كوب الشاي. — ماما كانت ممرضة.
سليم سكت، مستني تكمل.
— ماتت وأنا عندي ستاشر سنة. الصمت نزل فجأة. ريم قالت بابتسامة صغيرة حزينة: — كانت بتحب شغلها بشكل غريب. حتى وهي تعبانة كانت تنزل. كنت أوقات أكره المستشفى بسببها… وبعدين بعد ما ماتت بقيت بروح هناك علشان أحس إنها لسه موجودة. سليم فضل باصصلها.
الكلام خرج منها هادي، بدون دراما، وده خلاه يوجع أكتر.
سأل بهدوء: — ووالدك؟ ضحكت ضحكة خفيفة مالهاش فرح. — موجود بيولوجيًا. فهم. بسرعة.
ناس كتير عندها آباء… لكن قليل اللي عندهم “أب”.
قال: — عندك إخوات؟ — أخت صغيرة في تجارة. وأنا بصرف عليها. الكلمة خبطته بطريقة غريبة. طبيبة امتياز. شيفتات قاتلة. شقة متواضعة. أب شبه غايب. وأخت مسؤولة منها.
وفوق ده كله… كانت لسه قادرة تضحك.
قال بدون تفكير: — أنتِ قوية. ريم رفعت عينها فيه باستغراب. — دي أول مرة حد يقولها كأنها مش مجاملة. — لأنها مش مجاملة. الصمت طال ثانية.
وفجأة موبايل سليم رن.
الاسم اللي ظهر خلا ملامحه تتقفل فورًا: “نادين”. ريم لاحظت التغيير اللحظي. رد ببرود: — صباح الخير. صوت بنت ناعم طلع من السماعة: — حبيبي أنت فين؟ باباك قالب الدنيا عليك.
“حبيبي.”
الكلمة ضربت ريم في حتة سخيفة جواها. وهي نفسها اتضايقت إنها اتضايقت. سليم قال: — عندي شغل. — الساعة تسعة الصبح؟ أنت نمت أصلًا؟ — نادين، عندك حاجة مهمة؟
البنت سكتت لحظة، وبعدين قالت بدلع واضح: — وحشتني.
سليم ما ردش. ريم بصت في طبقها بسرعة كأنها مش موجودة. نادين كملت: — هتيجي العشا النهارده؟ — مش عارف.
— سليم، مينفعش تفضل تتعامل كده مع فكرة جوازنا.
— أيوه؟
— في حد باعت لحضرتك ده.
ناولها كيس صغير أنيق. ريم فتحت باستغراب. وفي الداخل…
موبايل جديد.
نفس نوع موبايلها القديم تقريبًا… لكن أحدث.
ومعه ورقة صغيرة.
“علشان ما تركبيش عربية غلط تاني. — س”
ريم فضلت باصة للورقة ثواني طويلة…
وقلبها، للمرة الأولى من وقت طويل جدًا، ابتدى يصحى من التعب.
يتبع

