
الفصل التاني العربية اتحركت في شوارع القاهرة الهادية بعد نص الليل، وريم قاعدة جنب الباب كأنها مستعدة تهرب في أي لحظة، رغم إن رجليها نفسها كانت بتقولها: “لو قمتي دلوقتي هتقعي.” كانت ماسكة شنطتها على حجرها بقوة، وبتبص من الإزاز كأنها بتحاول تثبت لنفسها إن اللي حصل مجرد موقف غريب وهيعدي. عربية غلط. راجل مشهور. كام دقيقة إحراج. وخلاص. لكن المشكلة إن وجود سليم الحديدي في نفس المساحة ماكانش بيتنسي بسهولة. كان ساكت. مش ساكت عادي… لأ، ساكت بالطريقة اللي تخلي السكون نفسه يبقى له وزن.
ريم حاولت تتجاهله. ركزت في المطر الخفيف اللي بينزل على الإزاز، في نور المحلات المقفولة، في عامل واقف تحت تندة كشك بيشرب شاي، في موتوسيكل معدي بسرعة. أي حاجة غير إنها تبص ناحيته. بس عينيها خانتها. بصت بطرف عينها. لقته ماسك موبايله، لكن مش بيكتب. الشاشة منورة بس، وإصبعه ثابت فوقها. ملامحه هادية، لكن فكه مشدود. المكالمة اللي جاتله من شوية واضح إنها سابت أثر، حتى لو هو عامل نفسه حجر. ريم ماعرفتش ليه قالت: — باباك تعبان؟
سليم رفع عينه ببطء. هي اتوترت فورًا: — آسفة… ماكانش المفروض أسأل. أنا سمعت بالغلط. — الصوت كان عالي كفاية يخلي السواق اللي في العربية اللي ورانا يسمع. ريم عضت شفايفها عشان ماتضحكش، بس فشلت. ضحكة صغيرة خرجت منها. سليم بص قدامه تاني. — آه. تعبان. — ربنا يشفيه. قالها من غير ما يبص لها: — آمين. لكن الكلمة خرجت تقيلة. مش تقيلة من قلة إيمان… تقيلة من تعب قديم. ريم حسّت إن الموضوع مش مجرد مرض أب. فيه حاجة أكبر. علاقة مش سهلة. بيت مليان صمت أكتر من الكلام. وجع عائلي متغطي ببدل غالية وعربيات مصفحة.
فقررت تسكت. لأنها طبيبة امتياز آه… بس مش كل جرح يتعالج بالسؤال. العربية دخلت شارع أهدى. ريم بصت حوالين المكان، وفجأة انتبهت. — إنتوا رايحين فين؟ مصطفى قال بأدب من قدام: — حضرتك قلتي العنوان؟ ريم اتجمدت. — أنا ماقلتش عنوان؟ سليم بصلها بهدوء غريب. — لأ. ريم غمضت عينيها بإحراج. — يا رب خدني. مصطفى كح كتمًا للضحك. سليم قال: — تحبي نوصلِك فين يا دكتورة؟ — مدينة نصر. شارع عباس العقاد… عند… سكتت فجأة.
مش لأنها نسيت العنوان. لكن لأنها افتكرت حاجة. مفتاحها. إيدها نزلت بسرعة على جيوب السكرابز، بعدها على شنطتها. فتحت السوستة بعصبية وبدأت تقلب فيها. سماعة. قلم. ورق روشتات. شاحن مقطوع. بسكوت مفتوح. كارت المستشفى. لكن مفيش مفتاح. وشها بهت. سليم لاحظ فورًا. — إيه؟ — المفتاح مش معايا. — متأكدة؟ — آه… لا… ثانية. قلبت الشنطة تاني بعنف أكتر. كأن المفتاح هيطلع من الخوف. ماطلعش. حست إن دماغها هتنفجر. بعد واحد وتلاتين ساعة، ركبت عربية غلط، نامت قدام واحد غريب، ودلوقتي مفتاح شقتها ضاع.
ضحكت ضحكة قصيرة، لكنها كانت أقرب للانهيار. — ممتاز. جميل جدًا. يوم تحفة. سليم بص لها. — عندك حد معاه نسخة؟ ريم سكتت. والسكوت ده قال أكتر من أي إجابة. ماكانش عندها حد. أو يمكن كان عندها… بس مش حد ينفع تتصل بيه الساعة اتنين الفجر. قالت وهي بتحاول تبان عادية: — البواب غالبًا صاحي. — غالبًا؟ — يعني… ممكن. — وممكن لأ. — أيوه، شكرًا على الدعم النفسي. سليم ابتسم ابتسامة خفيفة جدًا. — دي مش دعم. دي قراءة وضع.
ريم سندت راسها على الكرسي بتعب. — أنا هتصرف. الكلمة دي سليم سمعها بطريقة مختلفة. “هتصرف.” مش “هتصل بحد.” مش “حد هيساعدني.” مش “ممكن تعمل معروف.” هتصرف. كلمة ناس اتعودت تشيل نفسها بنفسها. سليم قال لمصطفى: — على عباس العقاد. — حاضر يا باشا. ريم بصتله بسرعة: — لا، أنا ممكن أنزل في أي مكان وآخد تاكسي. — قلتلك الساعة اتنين الفجر. — وأنا قلتلك إنت مالك. المرة دي سليم لف وشه لها بالكامل. — واضح إنك بتكرري السؤال لما بتتوترِ.
ريم سكتت لحظة، وبعدين قالت بعناد: — وواضح إنك بتدي أوامر لما بتقلق. الكلمة وقعت بينهم. “بتقلق.” مصطفى حس إن الجو اتغير. سليم ما ردش فورًا. عينيه فضلت ثابتة عليها. ريم نفسها اتفاجئت إنها قالتها. يمكن لأنها تعبانة. يمكن لأنها مش فايقة تحسب كلامها. يمكن لأن سليم الحديدي، رغم بروده، كان باين عليه فعلًا إنه مش عايز يسيبها تنزل لوحدها. قال أخيرًا بصوت هادي: — أنا مش بقلق بسهولة. ريم رفعت حاجبها: — مبروك. — لكن لما دكتورة امتياز تنام في عربيتي بالغلط، وتطلع ضايعة مفتاحها، ورجلها مصابة، ومش عايزة تقول لحد… أظن القلق يبقى رد فعل طبيعي.
الجملة كانت منطقية. وده ضايقها. لأن ريم كانت بتكره لما حد يبقى معاه حق وهي مش عايزة تعترف. فقالت بنبرة أخف: — هو حضرتك في اجتماعاتك كده برضه؟ بتغلب الناس بالمنطق لحد ما يسكتوا؟ — غالبًا. — مؤذي. — فعال. ضحكت غصب عنها. وسليم شاف ضحكتها. كانت ضحكة صغيرة، مرهقة، طالعة من نص وجع وكسوف. لكن فيها حياة. حياة كتير. وصلوا بعد حوالي ربع ساعة قدام عمارة قديمة نسبيًا في شارع جانبي متفرع من عباس العقاد. العمارة مش وحشة، بس باين عليها التعب. مدخلها ضيق، اللمبة اللي فوق الباب بتنور وتطفي، والشارع شبه فاضي.
ريم فتحت الباب بسرعة. — شكرًا جدًا. بجد. وقبل ما تنزل، سليم قال: — هستنى لحد ما تدخلي. بصتله. — مافيش داعي. — فيه. كانت هتجادله، لكن جسمها خانها. أول ما نزلت وحطت رجلها على الأرض، الألم ضرب كاحلها بقوة. اتماسكت في الباب بسرعة وهي بتكتم شهقة. سليم نزل من الناحية التانية فورًا. ريم اتخضت. — إنت نزلت ليه؟ — عشان واضح إن “هتصرف” قربت تنتهي بكسر. مد إيده عشان يساعدها، لكنها اتراجعت خطوة. — أنا كويسة.
— كدابة. بصتله بحدة. — حضرتك ماينفعش تقول لواحدة ما تعرفهاش كدابة. — وينفع تكدبي على واحد ما تعرفيهوش؟ كانت هترد، لكن الألم خلا وشها يتغير. سليم ما استناش. قرب خطوة، من غير ما يلمسها فجأة، وقال: — اسندي على دراعي. — لا. — يا دكتورة. — لا. — ريم. تجمدت. اسمها منه كان مختلف. هي ماقالتلوش اسمها… صح؟ بصتله باستغراب: — عرفت اسمي منين؟ سليم أشار بعينه للسماعة الطبية اللي متعلقة فيها بطاقة صغيرة مكتوب عليها: “Dr. Reem Abdelsalam – Intern”.
وشها احمر تاني. — آه. — اسندي يا ريم. المرة دي ماعرفتش تعترض. مش عشان هو أمرها. لكن عشان نبرة صوته اتغيرت. بقت أهدى. أقرب. فيها شيء غريب يخلي المقاومة تبان مرهقة جدًا. حطت إيدها بخفة على دراعه. الدراع كان صلب تحت البدلة. ثابت. وهي فجأة حست بمدى تعب جسمها، كأن أول ما لقت حاجة تسند عليها، كل عضلاتها قررت تنهار. سليم حس بثقلها الخفيف، لكنه ماعلقش. وصلوا للمدخل. ريم خبطت على أوضة البواب. مرة. اتنين. تلاتة.
مفيش رد. خبطت أقوى. صوت شخير ضعيف طلع من جوه. ريم همست: — يا عم رجب… يا عم رجب افتح. مفيش. سليم بص للباب، وبعدين لها. — واضح إنه “غالبًا صاحي” فعلًا. رغم الموقف، ريم ضحكت من غير نفس. — مش وقته شماتة. — مش شماتة. توثيق. حاولت تتصل بالبواب، لكن موبايلها كان فاصل. الشاشة المكسورة مطفية تمامًا. رفعت الموبايل قدامه كأنها بتعلن الهزيمة. — الموبايل مات. سليم مد إيده. — الرقم. — رقم مين؟
— البواب. — حافظاه؟ لأ طبعًا. — حد من جيرانك؟ سكتت. وشها قال إن مفيش. سليم خد نفس بطيء. — عندك اختيارين. — يا رب مايكونش فيهم إني أنام على السلم. — ده اختيارك أنتِ غالبًا. أنا هقول الاختيارات العاقلة. رفعت عينيها فيه بتحدي متعب. — اتفضل يا أستاذ عقل. — يا إما نكسر الباب. — نعم؟! — يا إما تروحي مكان آمن لحد الصبح. — أكسر باب شقتي؟ حضرتك طبيعي؟ — عندي ناس تصلحه قبل ما تصحي.
— لا طبعًا. — يبقى الاختيار التاني. ريم فهمت هو بيقول إيه قبل ما ينطق. اتراجعت فورًا. — لا. — أنا لسه ماقولتش. — مش محتاج تقول. — عندي جناح ضيافة في الفيلا. هتنامي كام ساعة، الصبح ترجعي تفتحي شقتك. ريم بصتله كأنه قال أغرب حاجة في العالم. — أروح فيلا حضرتك؟ — آه. — معاك؟ — ومع السواق، والخدم، والحراسة، وكاميرا مراقبة أكتر من مطار القاهرة. — برضه لا. سليم سكت. هو كان متوقع الرفض. أي بنت عاقلة هترفض. بس الوضع ماكانش آمن. وهي واقفة قدامه بتتهز من التعب، ورجلها بتوجعها، وموبايلها فاصل، ومفيش حد بيرد.
قال بهدوء: — طيب. هحجزلك أوضة في فندق قريب. — معيش بطاقة. — مش محتاجاها. — لا. مش هخلي حضرتك تدفعلي فندق. — اعتبريها تعويض نفسي عن العربية الغلط. — أنا اللي ركبتها! — وأنا اللي سيبتك تنامي فيها. الجملة خلتها تسكت. لأن فيها اعتراف غريب. كان ممكن ينزلها من الأول. كان ممكن يصحيها. كان ممكن يتعامل ببرود زي أي حد مكانه. لكنه ماعملش. ريم بصتله في عينيه. — ليه؟ سليم فهم السؤال من غير شرح.
ليه سيبتني؟ ليه مهتم؟ ليه لسه واقف؟ ليه بتعرض تساعد واحدة غريبة؟ رد بعد لحظة: — معرفش. وده كان أصدق جواب سمعته منه. وأخطر جواب. لأن سليم الحديدي، على ما يبدو، راجل ما بيحبش يقول “معرفش”. الصمت طال. وفجأة باب أوضة البواب اتفتح نص فتحة، وطلع عم رجب بجلابية مكركبة وعين نص مفتوحة. — مين؟ في إيه؟ ريم تنفست كأنها رجعت للحياة. — عم رجب! أنا ريم. مفتاحي ضاع. معاك نسخة؟ الراجل حك راسه وهو بيبص لسليم ومصطفى والعربية اللي واقفة قدام العمارة. عينه فتحت أكتر. — يا دكتورة… النسخة مع مراتك… أقصد مع مراتي… وهي عند أختها في شبرا.
ريم حست إن الأرض بتميد. — يعني مفيش نسخة؟ — لأ يا بنتي. أصل آخر مرة الكهربائي دخل خدها ورجعها لها. سليم بص لها بنظرة معناها: “قلتلك.” ريم بصتله بنظرة معناها: “اسكت.” عم رجب قال: — تحبي أنده لك نجار؟ ريم بصت في الساعة اللي مش لابساها أصلًا، وبعدين للشارع الفاضي. — نجار الساعة اتنين ونص؟ — في واحد صاحبي بس بيشرب. — لا شكرًا. سليم تدخل بهدوء: — مفيش فندق قريب كويس؟ عم رجب بصله من فوق لتحت، ووشه اتغير لما عرف غالبًا إن ده مش أي حد. — فيه فندق في الطيران يا باشا، بس…
ريم قطعت كلامه: — لا فنادق. سليم سألها: — ليه؟ ريم سكتت ثانية، وبعدين قالت بصوت أخفض: — عشان بكرة عندي شيفت تاني الساعة عشرة. ومفيش وقت لفنادق وإجراءات وفواتير ومواصلات. أنا ممكن أقعد على السلم ساعتين لحد ما مراته ترجع أو أي نجار يفتح. سليم بص لها كأنها فقدت عقلها. — تقعدي على السلم؟ — آه. — بعد واحد وتلاتين ساعة شغل؟ — أهو سلم العمارة بتاعتنا. مش غابة. — لا. كلمة واحدة. قافلة.
ريم رفعت رأسها. — سليم بيه، أنا مقدرة مساعدتك، بس أنت مش مسؤول عني. — عارف.

