Advertisements
Advertisements
قصص وروايات

الخيا-نه بقلم مجهول حصري لحكايات اسما السيد _ ممنوعه من النسخ

Advertisements

“بنتي عزمتني على العشا بعد سنة كاملة مقاطعة… لكن الخدامة وقفتني عند البوابة وقالتلي:
‘لو دخلتي البيت النهارده، بكرة محدش هيقدر ينقذك.’ الجزء الأول “لو دخلتي الفيلا الليلة دي يا مدام سعاد… بكرة هنصحى كلنا ونشوف نفسنا في الحو-ادث.” الجملة دي قالتها لي ندى، البنت اللي شغالة عند بنتي، وهي ماسكة دراعي قدام بوابة كومباوند في الشيخ زايد. اتجمدت مكاني. كنت جاية من إسكندرية للقاهرة وقلبي متلخبط، لأن بعد أكتر من سنة كاملة بنتي ياسمين ما كلمتنيش فيها، بعتتلي رسالة قالت فيها:

“ماما، تعالي اتعشي معانا يوم التلات. عايزة أصلّح اللي بينا. وحشتيني.” قريت الرسالة عشرات المرات… لدرجة إني حفظت كل حرف فيها، وكل فاصلة… وكل كدبة لسه ماكنتش عارفة إنها كدبة. ياسمين كانت بنتي الوحيدة.
ربيتها لوحدي بعد ما أبوها سابنا وهي عندها ١١ سنة. اشتغلت في بيع الكتب القديمة، وعملت تورتات للناس، ونضفت مكاتب، بس علشان أعلّمها وتكبر مرتاحة. عشان كده كان بيوجعني أوي إنها من ساعة ما اتجوزت كريم، شالتني من حياتها كأني حاجة بتكسف منها.

كريم كان راجل وسيم وذوق… النوع اللي يسلّم عليك بابتسامة مثالية وعينيه ساقعة.
من أول يوم وأنا حاسة إن فيه حاجة غلط فيه.
مش غيرة زي ما كان بيقول… لكن لأني شفت ياسمين واحدة واحدة بتبعد عن صحابها، وتقاطع قرايبها، وما تردش على مكالماتي. لما وصلت الفيلا الليلة دي، كنت لابسة الفستان الكحلي اللي ياسمين جابتهولي في عيد ميلادي الستين.
لبست كأني رايحة فرح… رغم إن جوايا كنت مرعوبة زي طفلة تايهة. لكن ندى خرجت تجري من ناحية الجراج.

“ما تدخليش يا مدام سعاد… امشي حالًا.” قلت بخضة:
“ياسمين كويسة؟” بصّت ناحية البيت بتوتر، ووشها كان أصفر كأنها شافت موت. قالت بصوت واطي:
“هي مش اللي في خطر… إنتِ.” قبل ما أسألها أي حاجة، رجعت بسرعة لجوا وهي شايلة كيس زبالة كأنها بتمثل إنها شغالة عادي. ركبت عربيتي… لكن ماقدرتش أمشي. من الشارع كنت شايفة السفرة من الشباك.
ماكانش فيه عشا.
ولا شمع.
ولا أي صلح. كان فيه راجلين غريبين ماسكين ملفات، وكريم بيتكلم في التليفون، وياسمين بتمضي على ورق بملامح فاضية… كأنها ماشية وهي نايمة.

وفجأة كريم بص ناحية الشارع. والستارة اتقفلت بسرعة. حسيت الدم انسحب من جسمي. بنتي ماعزمتنيش علشان تحضني.
هم استدعوني علشان حاجة أنا لسه مش فاهمها… بس ريحتها خيانة. في نفس الليلة، جالي مسدج من رقم غريب: “أنا ندى. بكرة الساعة ١٢ عند موقف رمسيس. ما تقوليش لحد. لو عايزة تفضلي عايشة، تعالي لوحدك.” ماعرفتش أنام. وأنا بسوق في شوارع القاهرة من غير هدف، أدركت حاجة كسرت قلبي: يمكن بنتي ما بطلتش تحبني بس…
يمكن كمان بتساعدهم يدمّروني.

وماكنتش متخيلة أبدًا ندى هتقولّي إيه تاني يوم… وصلت موقف رمسيس قبل الميعاد بنص ساعة.
الجو كان حر وزحمة الناس خانقة، لكن إيديا كانت ساقعة بشكل غريب. كنت قاعدة في عربيتي، عيني على كل وش بيعدّي، وخايفة في أي لحظة ألاقي كريم واقف قدامي. الساعة بقت ١٢ إلا خمسة… وفجأة شفت ندى. كانت لابسة طرحة سودة ونضارة كبيرة، وماشية بسرعة وهي كل شوية تبص وراها.
فتحت باب العربية وركبت جنبي فورًا. “امشي… حالًا.” ما سألتهاش.
دوّرت العربية وتحركت.

فضلت ساكتة دقايق وهي بتحاول تاخد نفسها، وبعدين قالت: “هما كانوا ناويين يخلّوكي تمضي على تنازل.” بصيتلها بعدم فهم.
“تنازل عن إيه؟” بلعت ريقها وقالت:
“العمارة اللي باسمك في إسكندرية… والحساب اللي فيه تحويشة عمرك.” اتسمرت إيديا على الدريكسيون. العمارة دي كانت كل اللي أملكه.
ورثتها عن أبويا، وكنت مأجرة شققها عشان أعيش منها بعد التقاعد. قلت بصوت مخنوق:
“بس ياسمين عمرها ما طلبت مني حاجة زي دي.” ندى بصّتلي بحزن. “في الأول كانت رافضة… بس كريم لعب بعقلها. قالها إنك هتبيعي كل حاجة وتتجوزي وتسافري وتحرميها من حقها.”

ضحكت ضحكة مكسورة.
“أتجوز؟ وأنا عندي ستين سنة؟” ندى ما ضحكتش. “هو قدر يقنعها بأي حاجة. بقاله سنة بيقولها إنك بتكرهيها وإنك عايزة تتحكمي فيها حتى بعد الجواز.” حسيت قلبي بيتقطع.
بنتي كانت مصدقة الكلام ده كله؟ وقفت العربية جنب كافيه هادي، وندى طلعت موبايل قديم من شنطتها. “لازم تسمعي ده.” شغلت تسجيل صوت. وصوت كريم كان واضح: “أمك هتمضي غصب عنها. ولو رفضت، الناس اللي معايا هيعرفوا يتصرفوا. أهم حاجة الفلوس تتحول قبل آخر الشهر.” وجالي صوت ياسمين… ضعيف ومهزوز:

“بس دي أمي…” كريم رد ببرود: “وأمك دي سبب كل عقدك. طول عمرها فقيرة وخنقتك معاها. دلوقتي وقت ما تستفيدي منها.” التسجيل وقف. ماكنتش حاسة بنفسي.
كل كلمة كانت كأنها سكينة بتدخل في صدري. ندى قالت بسرعة:
“فيه حاجة أخطر.” بصتلها وأنا شبه منهارة. “كريم عليه ديون كبيرة. وداخل مع ناس خط-ر. لو مامتهوش الفلوس، هيبيع أي حد.” “أي حد؟” هزت راسها. “حتى ياسمين.” في اللحظة دي موبايلي رن. ياسمين. بصيت للاسم وقلبي بيترعش. رديت… لكن ما لحقتش أتكلم.

لقيتها بتعيط. “ماما… سامحيني… اهربي.” وفجأة سمعت صوت كريم بعيد بيزعق:
“إنتِ بتكلمي مين؟!” والمكالمة اتقفلت. ندى شهقت بخوف. “هو عرف.” وفي نفس اللحظة… عربية سودا وقفت فجأة قدامنا. العربية السودة وقفت قدامنا بعنف لدرجة إني دوست فرامل فجأة. ندى ابيضّ وشها وهي بتهمس:
“ده هو…” قبل ما أستوعب، باب العربية اللي قدامنا اتفتح، ونزل كريم.
كان لابس قميص أسود ونفس الابتسامة الباردة اللي عمري ما ارتاحتلها. قرب ناحيتنا بهدوء غريب، وخبط بإيده على شباكي. “افتحي يا طنط سعاد… نتكلم بالعقل.”

إيديا كانت بتترعش.
لكن ندى مسكت دراعي بسرعة. “ما تفتحيش.” كريم لمحها، ووشه اتقلب في ثانية. “آه… الخدامة الخاينة.” طلع موبايله وبص فيه، وبعدها ابتسم ابتسامة خوفتني أكتر. “ياسمين تعبت أوي بسبب اللي بتعمليه ده.” صرخت فيه من جوه العربية:
“إنت عملت فيها إيه؟!” قرب أكتر وقال بصوت هادي مرعب:
“مراتـي في بيتها… لكن لو فضلتِ تسمعي كلام الشغالة، ممكن يحصلها حاجة وحشة.” ندى بدأت تعيط.
“هو بيهددها طول الوقت… بيحبسها أحيانًا.” حسيت الدنيا بتلف بيا. بنتي كانت عايشة في الجحيم وأنا فاكرة إنها كارهاني بإرادتها.

كريم فجأة خبط على الكبوت بعنف. “انزلي يا طنط بدل ما أكبر الموضوع.” وفي اللحظة دي، عربية شرطة عدّت في الشارع.
كريم رجع خطوة بسرعة، ووشه اتحول لابتسامة مصطنعة. استغليت اللحظة ودست بنزين بأقصى سرعة. سمعت ندى بتصرخ، وكنت شايفة في المراية كريم بيجري ناحية عربيته. فضلنا سايقين دقايق طويلة من غير كلام.
لحد ما وقفت تحت كوبري بعيد، وأنا نفسي بيتقطع. “لازم أجيب بنتي.” ندى بصتلي بخوف.
“هو مش هيسيبها بسهولة.” قلت وأنا بمسح دموعي:
“حتى لو آخر حاجة هعملها.”

ندى سكتت شوية، وبعدها قالت:
“فيه مكان بيخبي فيه الورق والفلوس… أوضة مقفولة في الفيلا. ولو وصلنا للملفات دي، نقدر نبلغ عنه.” “وإنتِ تعرفي تدخلي؟” هزت راسها. “معايا نسخة من المفتاح.” في اللحظة دي، لأول مرة من سنين، حسيت إن عندي هدف.
مش بس أنقذ نفسي… أنقذ بنتي كمان. ليلتها ما نمتش.
قعدت في أوضة فندق صغير أنا وندى، وكل شوية أبص على موبايلي مستنية أي رسالة من ياسمين. لحد الساعة ٣ الفجر. وصلت رسالة واحدة بس. “ماما… أنا آسفة. كنت غبية.”

وبعدها صورة. صورة لدراع ياسمين… وعليه كدمة زرقا كبيرة. وتحت الصورة مكتوب: “لو حصلي حاجة… أوعي تسامحيه.” فضلت أبص للصورة وقلبي بيتقطع. الكدمة اللي على دراع ياسمين كانت واضحة… كبيرة، كأن حد مسكها بعنف. إيديا بدأت ترتعش، ودموعي نزلت من غير ما أحس. بنتي كانت بتتعذب وأنا طول السنة اللي فاتت فاكرة إنها اختارت تبعد عني. ندى أخدت الموبايل من إيدي وقالت بخوف:
“لازم نتحرك بسرعة… الرسالة دي معناها إنه بدأ يشك فيها.” بصيتلها وقلت بحسم:
“هنرجع الفيلا النهارده.”

“إنتِ مجنونة؟!” “دي بنتي.” سكتت ندى، وبعدها هزت راسها باستسلام. قبل الفجر بساعة، كنا واقفين بعربيتنا في شارع جانبي قريب من الفيلا.
الدنيا كانت هادية بشكل يخوف، والأنوار مطفية إلا نور خافت طالع من مكتب كريم. ندى كانت ماسكة المفتاح وبتتنفس بسرعة. “الأوضة اللي فيها الملفات جنب المكتب.” دخلنا من باب الجراج بهدوء.
قلبي كان بيدق لدرجة حسيت إن صوته هيكشفنا. الفيلا كانت ساكتة… ساكتة زيادة عن اللزوم. طلعنا السلم واحدة واحدة، وفجأة سمعت صوت خافت. صوت عياط.

اتجمدت مكاني. “ياسمين…” الصوت كان جاي من آخر الطرقة.
جريت من غير تفكير، ولقيت باب مقفول. خبطت بعنف:
“ياسمين!” وجالي صوتها المكسور من جوه:
“ماما؟!” في اللحظة دي حسيت إني هرمي الباب بإيديا. ندى حاولت تفتح بالمفتاح لكن الباب ما فتحش. وفجأة… سمعنا صوت خطوات وراينا. لفّينا بسرعة. كريم كان واقف في آخر الطرقة، ماسك مسد-س. وعينيه كلها غضب. “كنت عارف إنك هترجعي.” جسمي كله اتشل.
لكن أول ما سمعت ياسمين بتصرخ من جوه الأوضة:
“ماما اهربي!” الخوف اختفى. بصيت لكريم وقلت:
“مش هسيبها.”

ضحك ضحكة باردة وهو بيقرب. “إنتِ السبب في كل حاجة. لو كنتِ سلمتي الفلوس من الأول، ماكنش ده حصل.” ندى بدأت ترجع لورا وهي بترتعش. لكن أنا… ما اتحركتش. لأول مرة في حياتي، ماكنتش خايفة على نفسي. كنت خايفة على بنتي وبس. وفجأة، باب الفيلا الرئيسي اتفتح بعنف من تحت. وصوت رجالة عالي ملّى المكان. “شرطة! محدش يتحرك!” كريم اتصدم ولف بسرعة. وفي الثانية دي… ياسمين فتحت الباب من جوه بعد ما قدرت تكسر الكالون بكرسي، وجريت ناحيتي وهي بتعيط.

حضنتها بكل قوتي، وهي كانت بتترعش بين إيديا كأنها طفلة صغيرة رجعت لأمها بعد ضياع سنين. أما كريم…
فكان بيبص علينا بنظرة عمرها ما هتتنسي. نظرة واحد خسر كل حاجة. الشرطة قيدت كريم وهو بيصرخ ويشتم، لكن ياسمين كانت مستخبية في حضني كأنها خايفة لو سابتني هتصحى وتلاقي كل ده كابوس. واحد من الظباط قرب مني وقال:
“وصلنا بلاغ ومعانا تسجيلات وتحويلات مشبوهة. واضح إن جوز بنتك داخل في قضايا نصب وغسيل أموال.” بصيت لندى بصدمة.
هي اللي بلغت عن كل حاجة.

ندى نزلت عينيها وقالت بصوت واطي:
“ماكنتش أقدر أشوفه بيدمرها أكتر من كده.” ياسمين بدأت تعيط بانهيار. “ماما… أنا آسفة… والله ما كنت شايفة الحقيقة.” مسحت على شعرها وأنا بحاول أمنع دموعي. “إنتِ بنتي… مهما حصل.” بصتلي بكسرة عمري ما شفتها في عينيها قبل كده. وقالت:
“كان كل يوم يقنعني إنك بتكرهيني… وإنك عايزة تتحكمي فيا. ومع الوقت بقيت أصدق. ولما عرف إني مترددة أطلب منك الفلوس… بدأ يهددني.” رفعت كمها… وكان فيه كدمات أكتر مخبياها. في اللحظة دي حسيت إني لو ما حضنتهاش هتقع وتتكسر قدامي.

بعدها بأيام، عرفنا إن كريم كان مديون لمجموعة ناس خطر، وكان ناوي يبيع العمارة ويسافر برا البلد بعد ما يلبّسني كل حاجة قانونيًا.
حتى الورق اللي كانوا مجهزينه ليلة العشا كان فيه تنازل كامل عن ممتلكاتي وتحويلات بنكية باسمي. لكن اللي ماكانش عامل حسابه عليه…
إن الخدامة اللي كان شايفها “بنت غلبانة” هي اللي هتوقعه. ندى بقت شاهدة أساسية في القضية، والشرطة قبضت على اتنين من رجالة كريم بعدها بيومين. أما ياسمين…
فرجعت معايا إسكندرية. في الأول كانت شبه شبح.
ما بتتكلمش كتير، وبتخاف من أي صوت عالي، وتصحي من النوم مفزوعة.

لكن واحدة واحدة… بدأت ترجع. كانت تساعدني في محل الكتب القديم، وتقعد جنبي وإحنا نشرب الشاي في البلكونة وقت المغرب، وكأننا بنلملم السنين اللي ضاعت مننا. وفي يوم، وأنا برتب رفوف المكتبة، لقيتها واقفة بتبصلي ودموعها في عينيها. قالت:
“تعرفي أكتر حاجة كانت بتموتني؟” بصيتلها بهدوء. قالت:
“إني كنت فاكرة إنك ممكن تتخلي عني… زي ما أنا اتخليت عنك.” سيبت الكتب من إيدي وروحت حضنتها. وقلتلها:
“الأم ممكن قلبها يتكسر… لكن عمره ما يقفل بابه في وش ولادها.”

ياسمين فضلت تعيط في حضني وقت طويل. ولأول مرة من سنين… حسيت إن بنتي رجعتلي بجد. أما الرسالة اللي بعتها ليا بعد سنة كاملة سكوت؟ ماكنتش بداية النهاية زي ما افتكرت. كانت بداية الحقيقة…
وبداية رجوعنا لبعض من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!