
ـ الحق يا ابني.. حماك مكدبش خبر، من ساعة زمن جيه هنا ومعاه محضر ودو م تين من القسم، وعملوا معاينة على الشقة وسألوا البواب والجيران إذا كانت بنته خرجت بهدومها ولا لاء.. الناس دي ناوية تخرب بيتك رسمي وتعملك قضية تبديد منقولات وجايبين ناس تشهد زور إنك طردتها بهدوم البيت! الدم دار في عروقي من جديد، وبصيت لإخواتي اللي كانوا واقفين ورايا وسامعين الكلام.. العند عمى عينيهم لدرجة إنهم جايين يتبلوا عليا في وسط حارتي وناسي! مسكت تليفوني واتصلت بالأستاذ فوزي المحامي، وقولتله بصوت برعش من كتر الغيظ:
ـ الأستاذ فوزي.. الناس دي بدأت تتبلى عليا وجايبين محضر معاينة للمنقولات.. المحامي رد عليا ببرود وثقة: ـ خليهم يجروا ويلعبوا يا رومانى.. إحنا الصبح في مباحث الإنترنت، والمفاجأة اللي هنحضرها ليهم في المحكمة هتخليهم يلفوا حوالين نفسهم.. اهدى خالص، الحكاية يلا بدأت، والضحكة الأخيرة هتبقى لينا.
قفلت السكة وأنا ببص لشبابيك شقتي المقفولة.. الشقة اللي كانت في يوم من الأيام حلم، بقت دلوقتي ساحة حرب.. كنت عارف إن الأيام اللي جاية هتشهد خناق ومحاكم وضــ,,ـــــرب تحت الحزام، بس مكنتش متخيل إن مراتي هتوصل بيها البجاحة للدرجة دي.. وبقيت مستني الصبح ييجي بفارغ الصبر عشان أرد القلم اللي نزل على كرامتنا..
مع أول شعاع نور للنهار الجديد، كنت واقف أنا وأخويا الكبير قدام مباحث الإنترنت. المكان كان زحمة، بس النــ,,ـــــار اللي في صدـ,,ـــري كانت مخلية كل شيء حواليا بيتحرك ببطء. دخلنا للأستاذ فوزي المحامي اللي كان مستنينا هناك ومعاه حافظة مستندات مترتبة وورق مطبوع فيه سكرين شوت من الرسالة اللي اتبعتت لأمي، وصورة من تقرير فني هو جهزه بنفسه.
أخدنا الدور، ودخلنا للمكتب.. الظابط بصلنا وبص للورق اللي قدمه الأستاذ فوزي، وبدأ يقرا الرسالة بصوت واطي: “ابنك تربية مرّة.. ومفيش راجل مربيكم.. تربية المرّة ملاذناش!”. الظابط رفع عينه وبصلي بنظرة فهمت منها إنه حس بالوجع والكسرة اللي في قلبي، وهز راسه وقال: ـ الكلام ده طالع من تليفون مين يا متر؟ الأستاذ فوزي رد بثقة وثعلبة: ـ طالع من الرقم الفعلي لزوجة الموكل يا فندم، ومبعوت على تليفون والدته الست المسنة، وده يعتبر سب وقذف علني وتعمّد إزعاج وإساءة استخدام وسائل الاتصال، وطع,,ن في العرض والتربية.. وإحنا بنطلب تفريغ الرسالة وعمل محضر رسمي وتوجيهه للنيابة العامة جنح اقتصادية.
الظابط كتب المحضر، وأنا بوقع بصباعي على الورق كنت حاسس إن كل حرف بيمضي عليه قلمي هو خطوة بترجع لست الحبايب حقها. خرجنا من هناك والأستاذ فوزي طبطب على كتفي وقال: ـ كدة الشق الجنائي في جيبنا.. المحضر ده في ظرف أيام هيتحول لنيابة الشؤون الاقتصادية، وهناك مفيش لعب.. القضية دي فيها حبس وغرامة مش هتقل عن عشرين ألف جنيه.. خليهم بقى يجروا ورا التمكين والنفقة براحتهم. رجعنا الحارة والظهر كان بيمشي، وأول ما وصلت لقيت أخويا الصغير مستنينا على نــ,,ـــــار، وشه كان مقلوب وعينه حمرا من الغيظ، قالي بصوت مخنوق:
ـ إنتوا بتتفسحوا في المحاكم والناس دي بتلعب في ضهرنا؟ المحضر اللي جابه حماك امبارح بالليل مكنش معاينة بس.. ده النهاردة الصبح المحامي بتاعهم رفع قضية تبديد منقولات “قائمة جهاز”، وعاملين جنحة مباشرة ضدك، وكاتبين في العريضة إنك كسرت دهب البت وطردتها بقميص النوم في الشارع ورفضت تسلمها حاجتها! أخويا الكبير صوت نفسه عِلي وضغط على سنانه وقال: ـ البت خرجت بشنطتها وعينها بتطق شرار وقدام البواب والشارع كله.. هما هيفتروا عياناً بياناً كدة؟
لقيت نفسي بضحك.. ضحكة وجع وذهول من كمية الغل اللي مالي قلوبهم. الست اللي عشت معاها وسكنت في حــ,,ـــــضنها، بايعة شرفي واسمي وبتتبلى عليا بالزور عشان ترميني في السجــ,,ـــــن! قعدت على الكنبة وطلبت الأستاذ فوزي تاني وسمّعته اللي حصل، فسمعت ضحكته العالية في التليفون وهو بيقول:
ـ يا رومانى يا ابني، أنا قايلك إنهم غشاشين في اللعب وبيلعبوا بغشامة.. هما فاكرين إن “القايمة” دي السكــ,,ـــــينة اللي هيدبحوك بيها؟ خليهم يرفعوا الجنحة.. إحنا هنعمل إيه بقى؟ الشقة مقفولة بحاجتها زي ما هي، وإحنا هنعمل “عرض منقولات قانوني” عن طريق المحكمة.. هنطلب من القاضي تحديد يوم ومكان (في نقطة الشرطة) ونجيب لوري ونحمل كل حتة خشب وكل معلقة دخلت بيتي ونرميها في وشهم قدام خلق الله.. والدهب؟ الدهب هي كانت لابساه وهي خارجة والكل شافها.. بس الأهم من ده كله، إحنا مش هنقف متفرجين.
المحامي سكت شوية وبعدين كمل بنبرة كلها مكر: ـ بكره الصبح أنا هرفع قضية “نشوز” وضّم طاعة ضدها.. وبما إن الشقة في بيت عيلة ومفيهاش أولاد، وقضية السب والقذف شغالة، فموقفها هيبقى زي الزفت قدام القاضي، وهيترفض طلب التمكين بتاعها لأنها هي اللي سابت بيت الزوجية بإرادتها وراحت تتبلى على جوزها. قفلت مع المحامي وحسيت إن دماغي بدأت تترتب، بس الغل جوايا مكنش هادي.. الشارع بره بدأ يتكلم، وكل شوية حد من الجيران ييجي لوالدتي ويقولها: “معلش يا أم رومانى.. بكرة ربنا يظهر الحق”.. وأمي قاعدة تدعي وتقول: “يا رب يا ابني اكفينا شر المحاكم واظهر حقنا من غير فضايح”.
على الساعة تمانية بالليل، لقيت تليفوني بيرن.. برقم غريب.. فتحت الخط وجالي صوت مراتي! صوتها كان فيه نبرة غريبة، مكنتش البجاحة بتاعة امبارح، كان فيها نوع من التردد بس لسه ماليها العند، قالتلي بنبرة حادة: ـ أهو المحاضر بدأت يا ابن أمك.. والمحامي بتاعنا قالي إنك مش هتشوف يوم حلو، والقايمة دي هتوديك ورا الشمس لو منزلتش على شروطنا.. طلقني بالمعروف واديني حقوقي كاش، وإلا السجــ,,ـــــن مستنيك. أخدت نفس طويل، وقولتلها بصوت هادي قوي، هدوء أرعبها هي شخصياً:
ـ السجــ,,ـــــن ده للـ قليل الأدب والمفتري يا بنت الأصول.. وأنا لا س,,رقت ولا افتريت.. الشغل اللي بتعملوه إنتي وأمك وأبوك ده كله بلّه واشربي ميّته.. المحضر اللي اتعمل النهاردة الصبح في مباحث الإنترنت بالرسالة اللي بعتيها لأمي، هيخليكي تقعدي في المحكمة الاقتصادية وتعرفي يعني إيه “تربية المرة” اللي مش عاجباكي.. القايمة بتاعتك خديها، الخشب كله هيترمي في الشارع قدام النقطة، والدهب اللي في إيدك الجيران شهدوا إنه معاكي.. جهزي نفسك بقا للقضايا اللي بجد، عشان أنا لسه مبدأتش اللعب.. والطلاق مش هتشوفيه غير لما تدفعي تمن كل دمعة نزلت من عين أمي الغالية.
سمعت صوت شهقة مكتومة منها، وقبل ما تنطق بكلمة، قفلت السكة في وشها وعملت للرقم “بلوك”.. بصيت لإخواتي اللي كانوا قاعدين يراقبوني وعيونهم فيها لمعة فخر، وقولتلهم: ـ الليلة دي هننام.. وننام مرتاحين كمان.. عشان من بكرة، المحاكم هتشتغل، والبلد كلها هتعرف مين فينا اللي متربي ومين اللي طالع من بيت ميعرفش الأصول.
بس وأنا بحط راسي على المخدة، جالي إحساس إن حمايا مش هيسكت على حكاية محضر الإنترنت دي، وإن رد فعلهم في الحارة بكرة مش هيبقى قضائي وبس.. الناس دي ممكن تقلب التربيزة وتلجأ للبلطجة وقلة القيمة في وسط منطقتنا.. ونمت وأنا إيدي تحت المخدة مستني الصبح ييجي بالعاصفة الجديدة..