
الفصل الأخير: الحساب الج,,ثة المجهولة. هي دي الكلمة اللي فضلت تتردد في دماغي طول الطريق. وأنا قاعدة جنب أحمد في العربية، كنت حاسة إننا دخلنا دوامة أكبر من أي حاجة تخيلناها. حم,,اتي ض,,ربت بنتي. اكتشفنا سر محمود. اكتشفنا الديون. اكتشفنا الخيانة. وبعدين -,,-. وبعدين قاتل هارب. وبعدين ج,,ثة متفحمة. كل ده حصل في أيام قليلة. لكن الحقيقة كانت لسه مخبية الض,,ربة الأخيرة. — الشرطة بدأت تحقق في الج,,ثة المحروقة. وفي نفس الوقت فرضوا حراسة على غرفة الحاجة زينب في المستشفى.
لأنها بقت شاهد أساسي. ويمكن متهمة كمان. أحمد طلب يقابلها. وأنا كنت معاه. أول ما دخلنا الغرفة شفتها. كانت أضعف بكتير. وشها شاحب. وشعرها الأبيض مبعثر. لكن لأول مرة من يوم ما عرفتها… ماكانش فيه غرور. ولا استعلاء. ولا أوامر. كان فيه خوف. خوف حقيقي. أول ما شافت أحمد بدأت تبكي. — يا ابني… وقف بعيد. — قولي الحقيقة. سكتت. — مرة واحدة في حياتك قولي الحقيقة. دموعها نزلت أكتر. وقالت: — أنا تعبت. رد ببرود:
— وأنا كمان. — فضلت تبصله ثواني. وبعدين قالت: — فؤاد كان حب عمري. أنا شهقت. وأحمد قفل عينه. كأنه كان متوقع. قالت: — قبل أبوك. قبل الجواز. قبل كل حاجة. كنت بحبه. وكان بيحبني. لكن أهلي رفضوه. وجوزوني لعبد الحميد. الراجل اللي ربى أحمد. سكتت شوية. ثم قالت: — وبعدها بسنين رجع. ورجع معاه الندم. والضعف. والخطيئة. الغرفة كلها سكتت. لأننا فهمنا. فهمنا الحقيقة قبل ما تنطقها. قال أحمد بصوت مبحوح: — فؤاد هو أبويا؟
زينب انهارت في البكاء. وما ردتش. لكن سكوتها كان كفاية. أحمد لف وشه بعيد. وأنا حسيت بوجع عليه عمره ما حسيت زيه. لأن الإنسان ممكن يتحمل الفقر. والمرض. والخيانة. لكن صعب يتحمل إنه يكتشف إن هويته كلها كانت كدبة. — زينب كملت. وقالت إن فؤاد فضل موجود في حياتها سنين. وإن سامح عرف السر. واستخدمه ضدها. ابتزها. كل مرة يطلب فلوس. كانت تدفع. كل مرة يهدد يفضحها. كانت تدفع أكتر. لحد ما باعت دهبها. ثم استولت على فلوس مصطفى.
ثم استغلت أحمد. ثم استغلتني أنا. كل ده عشان السر ما يطلعش. قالت وهي بتبكي: — كنت فاكرة إني بحميكم. ضحكت ضحكة موجوعة. — لا. إنتِ كنتِ بتحمي نفسك. وسكتت. لأن دي كانت الحقيقة. — بعد يومين ظهرت نتيجة تحليل الج,,ثة المحروقة. والنتيجة قلبت القضية كلها. الج,,ثة ماكنتش فؤاد. ولا حد من عيلتنا. كانت لشخص تاني تمامًا. واكتشفوا إن فؤاد هو اللي ح,,رق العربية. وهرب. كان بيحاول يموّه الشرطة. لكن الكاميرات كشفت خط سيره. وبدأت مطاردة كبيرة.
استمرت أسبوع كامل. لحد ما أخيرًا ق,,بضوا عليه في مزرعة مهجورة على طريق الواحات. — اعترف. اعترف بكل حاجة. قال إنه راح لسامح يطالبه بالفلوس. لأن سامح كان بيبتزه هو كمان. وكان عارف سر أحمد. وسر زينب. وسر محمود. وسر الديون. وكان بيهدد يفضح الكل. الخناقة كبرت. والسلاح خرج. والطلقة خرجت. وم,,ات سامح. قال إنه ماكانش ناوي ي-,,-ه. لكن القانون ما بيفرقش. اتق,,بض عليه. واتحول للمحاكمة. وانتهى كل شيء. أو هكذا ظننا. — لكن الحقيقة إن النهاية الحقيقية ما كانتش في المحكمة.
كانت في بيتنا. بعد شهور. لما رجعت الحياة تهدى تدريجيًا. زينب خرجت من المستشفى. لكن ما رجعتش تعيش معانا. هي بنفسها طلبت تروح دار رعاية محترمة. وقالت إنها مش قادرة تبص في وش أي حد تاني. ومحدش اعترض. حتى أحمد. كان فيه جرح أكبر من إنه يلتئم بسهولة. — أما مصطفى… فأثبت إنه أعظم شخص في القصة كلها. لأن أول ما قضية النسب انتهت. راح لمحمود. وحض,,نه. وقال: — اسمعني كويس. الدم مش هو اللي بيعمل الأب.
أنا اللي ربيتك. أنا اللي شلتك. أنا اللي فرحت بنجاحك. أنا أبوك. ولو الدنيا كلها قالت غير كده… أنا أبوك. يومها محمود عيط زي طفل صغير. وأنا عيطت معاه. وأحمد عيط. وحتى مصطفى نفسه ما قدرش يمنع دموعه. وفي اللحظة دي فهمت إن العيلة مش تحليل. ولا ورقة. ولا اسم. العيلة ناس بتحبك رغم كل حاجة. — أما أحمد… فأخد وقت طويل. طويل جدًا. عشان يتصالح مع الحقيقة. لكن في النهاية عمل حاجة عمره ما كنت أتوقعها.
راح لقب,,ر عبد الحميد. الراجل اللي رباه. وقعد قدامه ساعات. ولما رجع قال لي: — مش مهم مين خلّفني. المهم مين رباني. ومن يومها بطل يسأل عن فؤاد. وكأن الصفحة اتقفلت. — أما أنا… فكان عندي حساب أخير. حساب مع نفسي. حساب مع السنين اللي سكت فيها. لأن أكبر غلطة عملتها مش إني استحملت زينب. أكبر غلطة إني استحملت أول مرة أهانت فيها بنتي. لو كنت وقفت وقتها… يمكن ماكنّاش وصلنا لكل ده. لكن الحمد لله إني وقفت أخيرًا.
حتى لو متأخر. — بعد سنة كاملة… كنا قاعدين في جنينة صغيرة. أنا وأحمد وليان. ليان بقت أكبر. وأجمل. وأقوى. كانت بتجري ورا الفراشات وهي بتضحك. الضحكة اللي كنت خايفة أخسرها يوم من الأيام. وقفت فجأة. وجريت عليّا. ورمت نفسها في حض,,ني. وقالت: — ماما؟ — نعم يا قلب ماما؟ ابتسمت. وقالت: — أنا بحبك. حض,,نتها بقوة. وبصيت لأحمد. لقيته بيبتسم. أول ابتسامة حقيقية من شهور طويلة. وقتها بس… عرفت إن ربنا جاب حق بنتي.
مش لما زينب خسرت فلوسها. ولا لما فؤاد اتسج,,ن. ولا لما الأسرار انكشفت. لكن لما بنتي كبرت وهي عارفة إنها غالية. وإنها مش عبء. وإنها مش أقل من حد. وإن أمها وأبوها واقفين ضهر ليها مهما حصل. أما الحاجة زينب… فآخر مرة شفتها فيها كانت بعد شهور. كانت قاعدة على كرسي في دار الرعاية. أضعف بكتير. وأهدى بكتير. بصت لليان وهي داخلة. وفجأة دموعها نزلت. مدت إيديها المرتعشة. وقالت: — سامحيني يا بنتي. ليان بصتلها ثواني.
ثم حطت لعبة صغيرة في حض,,نها. وقالت ببراءة الأطفال: — متعيطيش. في اللحظة دي زينب انهارت في البكاء. وأنا فهمت إن أقسى عقاب في الدنيا أحيانًا… مش السج,,ن. ولا الفضيحة. ولا خسارة الفلوس. أقسى عقاب إن الإنسان يعيش بقية عمره عارف إنه خسر الناس اللي كان بيحبهم بإيده. والنهاية كانت بسيطة جدًا. بيت هادي. طفلة بتضحك. أب بيستعيد روحه. وأم تعلمت أخيرًا إن السكوت على الظل,,م أول طريق الكوارث. أما ليان… فكبرت وهي عارفة الحقيقة الوحيدة اللي كانت تستحق تعرفها من البداية:
أنها كانت أغلى شخص في البيت كله. تمت


