Advertisements
Advertisements
منوعات

زوجي العجوز حكايات اسما الأخيرة

Advertisements

رفعت كمل: — مافيش حل غير إننا نجيب عصير تاني ونوقعه جنبه عشان يبقوا اتنين صحاب. آدم فضل ثانية مش فاهم. وبعدين ضحك. نادية ضحكت من المطبخ. ورفعت قام بصعوبة وجاب فوطة. وبدل ما يزعق… مسح بنفسه. تلك اللحظة كانت صغيرة جدًا. لكنها كانت بداية شفاء. في يوم من الأيام، آدم رجع من المدرسة ومعاه دعوة لحفل تكريم. كان هيستلم شهادة لأنه ساعد زميل أصغر منه كان تايه في المدرسة. نادية فرحت. ورفعت كان قاعد يسمع.

آدم قال بتردد: — ماما، ينفع جدو ييجي؟ نادية بصت له. — إنت عايزه ييجي؟ آدم هز رأسه. — آه. بس يقعد ورا. رفعت ابتسم. — ورا خالص لو تحب. آدم قال بسرعة: — لا، مش ورا خالص. بس مش في أول صف. ضحكوا. وفي يوم الحفل، رفعت لبس بدلة بسيطة. من غير ساعة دهب. ولا سيجار. ولا غرور. قعد في الصف التالت. ولما آدم طلع على المسرح، كان رفعت أول واحد يقف ويصفق. التصفيق كان عالي.

آدم بص له من فوق. واتكسف. لكن ابتسم. بعد الحفل، آدم جاله. رفعت قال: — أنا فخور بيك. آدم بصله. — حتى لو الشهادة مش درجة؟ رفعت ابتسم بحزن. — خصوصًا عشان مش درجة. — ليه؟ — عشان الشاطر ممكن يجيب درجات. لكن الطيب بيبان لما يساعد غيره. آدم فكر شوية. ثم قال: — إنت اتغيرت. رفعت رد بهدوء: — بحاول. — هتفضل كده؟ — هحاول كل يوم. آدم مد إيده. مش حضن. مصافحة. رفعت مسك إيده باحترام.

كأنها عقد جديد. مش بين رجل وطفل. بين جرح وفرصة. في نفس الليلة، نادية وقفت في البلكونة. الهوا كان بارد. والسماء صافية. رفعت خرج بهدوء. وقف بعيد، محافظًا على المسافة. قال: — ممكن أتكلم؟ نادية ما بصتش له. — اتفضل. — أنا عارف إن في حاجات ما تتصلحش. سكت. — وعارف إن كلمة آسف مش كفاية. ولا إنقاذ آدم يمسح اللي حصل. ولا اعترافي في القضايا يخليني بطل. نادية قالت بهدوء: — كويس إنك عارف.

ابتسم بمرارة. — عارف كمان إنك ممكن تكملي من غيري. — أيوة. — وإن البيت بيتك. — أيوة. — وإن آدم أهم مني. — دائمًا. هز رأسه. — وده الصح. سكت لحظة. ثم أخرج من جيبه ورقة. — دي مش ورقة قانونية. مجرد خطاب. مده لها. نادية فتحته. كان مكتوب: “أنا رفعت المنشاوي، أقر أمام نفسي قبل أي شخص، أن نادية لم تهدم بيتي يوم جهزت شنطي. هي أنقذت البيت من ظلمي. وأقر أن آدم لم يكن عبئًا، بل كان المرآة التي رأيت فيها قسوتي. لو قرأتِ هذا يومًا وشعرتِ أن وجودي يوجعكم، اطلبي مني الرحيل وسأرحل بلا نقاش.”

نادية قرأت الخطاب. وطوته. — ليه كتبته؟ قال: — عشان لو نسيت، تفكريني. ولو آدم كبر وشك في نفسه، يعرف إن الغلط كان مننا إحنا. مش منه. نادية عينيها دمعت. لكنها مسحت دموعها بسرعة. — هحطه في ملف آدم. رفعت هز رأسه. — يستاهل يعرف الحقيقة لما يكبر. مرت سنة. كريم اتحاكم. وفؤاد كمان. القضايا كانت طويلة ومؤلمة، لكن نادية ماحضرتش غير اللي يخص آدم. رفضت تحول حياتها لساحة انتقام. كانت تقول: — أنا عايزة أربي ابني. مش أعيش جوه قضية.

رفعت دفع ثمن أخطائه. مش بالسجن الطويل كما توقعت، لأن اعترافه وتعاونه غيّر مسار القضايا، لكنه خسر معظم شركته، واسمه اتلطخ، وناس كتير واجهته. والغريب إنه تقبل. كان يقول: — يمكن ده أول رزق حلال في حياتي. إني أدفع تمن الغلط. أما آدم، فكبر سنة. بقى أطول. شنطة الديناصورات اتبدلت بشنطة سادة. لكن الورقة على باب أوضته فضلت. “البيت ده من حقك تضحك فيه.” وفي عيد ميلاده الحادي عشر، قررت نادية تعمل حفلة صغيرة في البيت.

أصحابه. تيتة. شوية بالونات. وتورتة على شكل ديناصور. رفعت وقف في المطبخ يساعد. كان لابس مريلة مضحكة مكتوب عليها “الشيف رفعت”. آدم ضحك عليه. — إنت شكلك غريب. رفعت رد: — الغرابة موضة. نادية دخلت وشافتهم الاتنين بيحطوا الشموع. رفعت كان بيحاول يثبت رقم 11 على التورتة. وآدم بيضحك لأنه حطه بالمقلوب. نادية وقفت عند الباب. المشهد العادي ده كان أغلى من أي انتصار. طفل بيضحك. بيت آمن. ورجل عجوز اتعلم متأخر إن الحب مش سيطرة.

وقت إطفاء الشموع، كلهم غنوا. آدم غمض عينه واتمنى أمنية. بعد ما خلص، نادية سألته: — اتمنيت إيه؟ قال: — مينفعش أقول. رفعت قال: — طبعًا. قوانين الأمنيات. لكن بعد الحفلة، لما الناس مشيت، آدم قرب من نادية وهمس: — أنا اتمنيت إن البيت يفضل كده. نادية حضنته. — هيبقى كده طول ما إحنا بنحميه بالحب. آدم سكت. ثم قال: — ماما؟ — نعم. — أنا ساعات لسه بخاف. قلبها وجعها. — طبيعي يا حبيبي.

— بس بخاف أقل. ابتسمت وسط دموعها. — دي خطوة كبيرة. — وجدو… — ماله؟ — أنا لسه زعلان منه شوية. — من حقك. — بس بحبه شوية. نادية ضحكت بخفة. — من حقك برضه. — عادي الاتنين؟ — عادي جدًا. القلب ساعات بيشيل حاجات كتير مع بعض. في آخر الليل، بعد ما آدم نام، نادية نزلت الصالة. لقيت رفعت واقف عند الباب. نفس المكان اللي كانت الشنط فيه من سنة. كان باصص للأرض كأنه شايف المشهد القديم.

قال بدون ما يلتفت: — هنا كنتي حاطة شنطي. نادية وقفت جنبه. — أيوة. — وكنت فاكر إنك هتختاريني. — كنت مغرور. — كنت أعمى. سكتا. ثم قال: — تعرفي؟ يومها لما شوفت اسمي على الظرف، حسيت كأنه حكم بالإعدام فعلًا. نادية بصت له. — كان حكم موت على النسخة القديمة منك. رفعت ابتسم بحزن. — الحمد لله إنها ماتت. في اللحظة دي، سمعوا صوت آدم من فوق: — ماما؟ نادية رفعت رأسها. — نعم يا حبيبي؟

— ينفع أشرب ميه؟ رفعت قال بسرعة: — أنا أجيبلك. آدم سكت لحظة. ثم قال: — ماشي يا جدو. رفعت طلع السلم ببطء. إيده على الدرابزين. كل خطوة موجوعة. لكن وشه كان مرتاح. نادية فضلت واقفة تحت. بصت على البيت. على السلم اللي كان شاهد على كسرة آدم. وعلى الباب اللي كان شاهد على سقوط رفعت. وعلى الصالة اللي رجعت تضحك بعد خوف. وفهمت أخيرًا إن بعض البيوت لا تنهار حين تغادرها السلطة. بل تبدأ الحياة فيها حين يدخلها الأمان.

وإن الأم حين تختار ابنها، لا تخسر بيتها. بل تستعيده. في اليوم التالي، فتحت نادية الدولاب القديم. كان فيه آخر ظرف من أوراق القضايا. وقفت لحظة. ثم أخذت ورقة بيضاء وكتبت بخط واضح: “إلى آدم، حين تكبر: لم تكن يومًا عبئًا. كنت السبب في أن هذا البيت يتعلم الحب.” طوت الورقة. وضعتها مع خطاب رفعت. وأغلقت الملف. ثم دخل آدم وهو يفرك عينيه. — بتعملي إيه يا ماما؟ ابتسمت. — بحفظ حاجات مهمة. — أهم من شهادتي؟

— شهادتك أول واحدة في الملف. ضحك. — طب الفطار؟ — جاهز. خرج يجري ناحية المطبخ. ثم توقف فجأة ورجع. حضنها من غير سبب. قال: — بحبك. نادية ضمته. — وأنا بحبك أكتر من الدنيا. من فوق، صوت رفعت نادى: — وأنا جعان! آدم صرخ ضاحكًا: — استنى يا جدو! نادية ضحكت. وكانت ضحكتها هذه المرة خفيفة. صادقة. من قلب نجا. البيت لم يعد قصر الحاج رفعت. ولا ساحة خوف. ولا مكانًا يساوم فيه أحد أمًا على ابنها.

صار بيت نادية وآدم. ومعهم رجل عجوز يتعلم كل يوم أن الحب لا يُفرض. وأن الطفل الذي ظنه عبئًا… كان هو الرحمة التي أرسلها الله لتوقظه قبل فوات الأوان. النهاية.  

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!