
بصيت من البلكونة.
الأتوبيس 274 واقف.
والباب مفتوح. والمرة دي… السواق رافع وشه.
ماقدرتش أبص.
لفيت وشي بسرعة.
لكن كان كفاية أشوف لمحة.
جلد محروق.
وعينين سودا بالكامل.
ثم سمعت صوت ميادة.
مش من الشارع. من جوه الشقة. — ما تنزلش. لفيت بسرعة.
كانت واقفة في الصالة.
لكن شكلها كان مختلف. باهتة جدًا. كأنها بتختفي بالتدريج. قلت: — إنتِ رجعتي؟
ابتسمت بحزن. — هو بيشدني تاني.
— ليه؟ قالت: — لأنه لسه مربوط بالدنيا… ولسه رابطني بيه. — أعمل إيه؟ سكتت.
ثم قالت: — لازم تعرف الحقيقة الأخيرة.
مدت إيدها ناحيتي. وأول ما لمست إيدي… الدنيا اختفت. ولقيت نفسي في الأتوبيس.
بس مش دلوقتي.
ليلة الحادثة. الدخان مالي المكان. الناس بتصرخ. والأتوبيس بيجري بسرعة مجنونة فوق الكوبري.
شفت ميادة مربوطة في الكرسي الخلفي.
بتعيط. وشفت نديم واقف قدامها. حي. سليم.
وبيضحك.
صرخت: — أنت عملت إيه؟! لكن محدش سامعني. أنا مجرد متفرج. نديم قرب من ميادة وقال: — لو ماكنتيش ليا في الدنيا… هتبقي ليا بعد الموت.
وبعدين ولع البنزين.
النار مسكت بسرعة مرعبة. الركاب صرخوا. السواق حاول يوقف الأتوبيس. لكن نديم ضربه بحديدة على دماغه.
الأتوبيس فقد السيطرة.
وشفت الحاجة اللي غيرت كل شيء. قبل ما الأتوبيس يقع من الكوبري… نديم فتح الباب وقفز. وسابهم يتحرقوا.
لكن وهو بيجري بعيد…
ميادة بصتله من جوه النار وقالت: — هفضل مستنياك. وفجأة… الأتوبيس انفجر.
صحيت مرمي على أرض الصالة.
ميادة واقفة فوقي وبتبكي. قالت: — هو ما ماتش في الحادث. قلت بأنفاس متقطعة: — عارف. هزت راسها. — لا… أنت لسه ماعرفتش النهاية.
وقبل ما تسكت، الباب اتفتح بعنف.
نديم دخل الشقة. لكن المرة دي… كان حي. مش شبح. راجل حقيقي.
أكبر شوية.
وشه كله آثار حروق قديمة. لكن حي. قلبي وقف. هو عاش كل السنين دي.
كان مستخبي.
وكان بيرجع كل جمعة للموقف. ابتسم وقال: — أخيرًا فهمت. رجعت لورا وأنا مصدوم. — أنت… إزاي؟ قال: — النار ما خدتنيش. بس أخدت كل حاجة تانية.
بص لميادة. — حتى هي.
ميادة كانت بترتعش. مش خوف. اشمئزاز. نديم قرب خطوة. — كنتِ هتفضحيني. كنتِ هتخسريني كل حاجة.
صرخت: — فقت*لتها؟!
بصلي ببرود. — الحب الحقيقي بيملك. قلت: — ده مرض. ابتسم. — يمكن. وفجأة طلع مس*دس من ضهره.
وجهه ناحيتي.
— المشكلة إنك عرفت زيادة. ميادة صرخت: — لا! لكن نديم كان أسرع. صوت الطلقة دوى في الشقة.
وحسيت بالنار تدخل كتفي.
وقعت على الأرض. الدنيا بدأت تغيم. ونديم قرب مني وقال: — كان المفروض ما تسألهاش إذا كانت محتاجة مساعدة. وبعدين وجه المسدس ناحية ميادة.
لكن في اللحظة دي…
نور الشقة كله طفّى. والجو بقى تلج. وصوت موتور الأتوبيس رجع.
نديم اتجمد.
من بره الشقة، سمعنا صوت فرامل ضخمة.
ثم خبطات على الباب.
خبطات قوية جدًا.
السواق.
نديم بدأ يرجع لورا لأول مرة بخوف.
همس: — لا… لا مش دلوقتي. الخبط زاد. والباب بدأ يتحرق من الأطراف. وصوت الركاب طلع من بره:
— افتح.
— دورك. — الرحلة ما خلصتش. نديم فقد أعصابه. — أنا هربت! أنا نجيت! وصوت السواق رد: — بس ما دفعتش التذكرة.
الباب انفجر.
دخان أسود دخل الشقة. ومن وسطه ظهر السواق. عملاق. محروق بالكامل.
وعينيه سودا.
وراه الركاب. كلهم متفحمين. كلهم راجعين ياخدوا حقهم. نديم صرخ وحاول يهرب، لكن الأرض تحت رجليه بدأت تسود.
الأرواح مسكته.
كان بيصرخ بجنون: — ميادة! ساعديني! ميادة بصتله ببرود لأول مرة. — أنا بطلت أخاف منك من زمان. السواق قرب منه وقال: — آخر محطة. الأرواح بدأت تسحبه ناحية الباب.
نديم كان بيعيط فعلًا. — لا! مش عايز أرجع هناك!
لكن محدش سمعه. اتسحب وسط الدخان. وصوت صراخه فضل يتردد لحد ما اختفى. وفجأة…
كل شيء هدي.
النور رجع. ريحة الحريق اختفت. والأتوبيس… راح. ميادة ركعت جنبي وأنا بنزف.
قالت وهي بتبكي: — آسفة.
ابتسمت بالعافية. — المرة دي… خلص؟ بصت ناحية الشباك. الموقف كان فاضي. قالت بهدوء: — آه.
بعدها فقدت الوعي.
صحيت بعدها في المستشفى. الشرطة قبضت على نديم فعلًا. أو بالأصح… لقوا ج*ثته. ج*ثة متحللة في مخزن مهجور كان مستخبي فيه من سنين.
المفاجأة إن تقرير الطب الشرعي قال إنه مات من حوالي سنة بس.
يعني كل اللي شوفته بعد كده… كان شيء بين الإنسان والشبح. حاجة رفضت تموت قبل ما تخلص هوسها. أما أنا، فنجيت.
الرصاصة عدت بعيد عن القلب.
والتحقيقات أثبتت كل حاجة. القضية اتقفلت أخيرًا كج*ريمة ق*تل متعمدة. والناس نسيت بعدها بفترة. زي أي قصة.
لكن أنا ما نسيتش.
وفي آخر زيارة ليا لأمينة قبل وفاتها بشهر، سألتني: — لو رجع بيك الزمن… كنت هتكلمها في الموقف؟ افتكرت ميادة وهي قاعدة لوحدها. بالفستان الأبيض. مكسورة.
مرعوبة.
ومحدش شايفها. ابتسمت وقلت: — كل مرة. أمينة بكت. وقالت: — يبقى بنتي ما استنتش عبث.
بعد وفاتها، حضرت دفنها.
ولما رجعت بالليل، عديت جنب موقف الأتوبيس. لقيت بنت صغيرة قاعدة لوحدها بتعيط. الناس كلها كانت بتعدي جنبها. وقفت قدامها وقلت بهدوء:
— إنتِ كويسة؟ محتاجة مساعدة؟
البنت رفعت وشها. وكانت عادية جدًا. خايفة بس. تايهة.
ابتسمت لها.
وفي اللحظة دي، حسيت بنسمة هوا دافية عدت جنبي. كأن حد أخيرًا… ارتاح.
تمت
