Advertisements
Advertisements
منوعات

فستان تخرج حكايات اسما

Advertisements

لأن فستاني كان فيه روح أمي.

وكان معمول بحب.

بدأ التصويت، والناس تكتب أسماء على ورق صغير. وأنا واقفة، افتكرت كل ليلة شفت فيها أبويا نايم على الكنبة من التعب بعد الشغل، وكل مرة كان يقول إنه كويس رغم إنه كان مرهق. افتكرت لما كنت صغيرة وأصحابي يسألوني: “فين مامتك؟”

وأرجع البيت أعيط.

وافتكرت أبويا وهو بيتعلم يسرح شعري من فيديوهات على يوتيوب علشان ماحسش إني ناقصني أم.

كان بيحرق الأكل أحيانًا.

وكان ينسى مواعيد المدرسة أحيانًا.

لكن عمره ما نسيني أنا.

وفجأة سمعت اسمي في السماعات.

“ملكة الحفل لهذه السنة… نور حسن!” القاعة انفجرت تصفيق تاني. حطوا التاج فوق راسي، لكني بصيت مباشرة على أبويا. كان بيعيط.

أول مرة أشوفه بيعيط بالشكل ده.

الراجل اللي استحمل موت مراته، والشغل المضاعف، وتربية بنت لوحده… كان واقف يعيط وسط الناس بدون خجل. قربت منه وأنا ماسكة التاج وحطيته فوق راسه أنا. الناس ضحكت وصفقت. قلت وأنا بعيط: “الملك الحقيقي هنا.”

حتى المدرسين اللي كانوا بيتجاهلوه طول السنين، قربوا يسلموا عليه.

مديرة المدرسة قالتله: “حضرتك ربيت بنت محترمة فعلًا.” ابتسم بخجل وقال: “أنا بس حاولت أعوضها.” بعد الحفلة، وأنا راجعة معاه بالعربية القديمة، كنت حاسة إن الدنيا أخف. شغل الكاسيت القديم اللي دايمًا يسمعه، وكانت أغنية بتحبها أمي شغالة.

بصلي وهو سايق وقال: “مبسوطه؟”

ضحكت وسط دموعي: “أوي.” سكت شوية، وبعدين قال: “عارفة… أمك كانت بتخيط برضه.” بصيتله بسرعة. قال بابتسامة صغيرة: “أنا اتعلمت منها علشان كده قدرت أعمل الفستان.”

حسيت قلبي وجعني ودفاني في نفس اللحظة.

سألته: “لسه بتفتكرها كل يوم؟” رد بدون تردد: “كل دقيقة.” بعدين ضحك بخفة وقال: “بس هي كانت أقوى مني… كانت تعرف تعمل الأكمام أحسن.” ضحكت لأول مرة من قلبي.

لما وصلنا البيت، لقيت باقة ورد صغيرة قدام الباب.

كان عليها كارت مكتوب فيه: “الفستان كان الأجمل الليلة… لأن اللي عمله أب عظيم.” مفيش اسم. لكن دموعي نزلت تاني. بعد أيام، قصة الأستاذة سامية بقت حديث المدرسة كلها. اتوقفت عن العمل، والتحقيقات كبرت أكتر مما الناس كانت متخيلة.

لكن الغريب إن كل ده ما بقاش أهم حاجة بالنسبالي.

الأهم كان حاجة تانية. في الأسبوع اللي بعد الحفلة، الجامعة اللي كنت بحلم أدخلها بعتتلي جواب قبول… ومعاه منحة جزئية. كنت فرحانة جدًا، لكن لما شفت قيمة المصاريف المتبقية، قلبي وقع. عارفة إن أبويا مستحيل يقدر عليها.

خبّيت الورق يومين كاملين.

لكن طبعًا عرف.

أبويا كان دايمًا يعرف وأنا زعلانة حتى لو بابتسم.

دخل أوضتي بالليل وقال: “وريني الجواب.” ناولتهوله وأنا متوترة. قرأه بهدوء، وبعدين قال: “هتدخلي الجامعة دي.”

قلت بسرعة: “لا يا بابا… غالية جدًا.”

رد بحزم: “قولت هتدخليها.”

صرخت بدون قصد: “بأي فلوس؟! إنت أصلًا بتتعب كل يوم علشاني!”

سكت شوية.

وبعدين فتح إيده.

كان فيها خاتم دهب بسيط.

عرفته فورًا. دبلة جوازه من أمي. قال بهدوء: “في حاجات بتتباع علشان أحلام أهم.” صرخت: “لا! مستحيل!”

لكنه ابتسم: “أمك لو كانت هنا كانت هتعمل أكتر من كده.”

عيطت وقتها بشكل هستيري. لأن الحقيقة اللي كنت بهرب منها طول عمري ظهرت قدامي مرة واحدة… أبويا ضحى بكل حاجة حرفيًا علشاني. مش بس راحته.

ولا شبابه.

حتى ذكرياته. في اليوم اللي باع فيه الدبلة، رجع البيت متأخر. حاول يبان طبيعي، لكنه كان ساكت زيادة عن اللزوم. وأنا وقتها أخدت قرار.

بدأت أشتغل بعد المدرسة في مكتبة صغيرة. كنت برجع تعبانة، لكن كل ما أشوف إيده المتشققة، أقول لنفسي إن تعبي ولا حاجة.

أوقات كان يصحى الفجر يروح شغل، وأصحى أنا بعدها بساعة أروح المكتبة قبل الدراسة. كنا بنتعب… لكن لأول مرة حسيت إننا فريق حقيقي. وفي يوم، صاحبة المكتبة سألتني عن الفستان اللي لبسته في الحفل بعد ما شافت صورتي على الإنترنت. اتضح إن حد صور اللحظة اللي حطيت فيها التاج على راس أبويا ونشرها.

الصورة انتشرت بشكل ضخم.

ناس كتير كتبوا تعليقات عن الأب العظيم والفستان المصنوع من فستان أم متوفية. وفي خلال أسبوع، حصل شيء عمرنا ما توقعناه. مصممة أزياء مشهورة بعتتلي رسالة. كانت عايزة تقابل أبويا.

افتكرنا في الأول إنها مزحة.

لكنها كانت حقيقية. روحنا مكتبها، وكانت ست أنيقة جدًا اسمها “ليلى الشافعي”. بصت للفستان بانبهار وقالت: “اللي عمل ده عنده موهبة حقيقية.” أبويا اتوتر وقال: “أنا مجرد سباك.”

ابتسمت وقالت: “وأنا شايفة فنان.”

عرضت عليه يشتغل معاها في قسم التفصيل اليدوي في مشغلها. أبويا ضحك بإحراج وقال: “أنا كبير على الكلام ده.” لكنها ردت: “الموهبة ملهاش سن.” وأنا وقتها حسيت إن ربنا أخيرًا بيجازيه.

بعد شهور، حياتنا بدأت تتغير بهدوء.

مش بقينا أغنيا فجأة. لكن بقينا مرتاحين. أبويا بقى يشتغل في المشغل يومين في الأسبوع جنب شغله الأساسي، وكل مرة يرجع البيت يحكيلي بحماس عن القماش والتطريز كأنه طفل صغير اكتشف حلمه متأخر. وفي يوم، لقيته قاعد لوحده ماسك صورة أمي.

قال بصوت هادي: “تفتكري كانت هتبقى فخورة بيا؟”

ابتسمت وسط دموعي وقلت: “هي أكيد اللي بعتتلك كل ده.”

ضحك وهو بيبص للصورة: “وحشتيني يا سعاد.”

خرجت من الأوضة وقتها وسيبته لوحده، لأن بعض الحب بيبقى أعمق من أي كلام. وفي أول يوم ليا في الجامعة، صحيت لقيت فستاني متغلف بعناية فوق السرير. وعليه ورقة صغيرة بخط أبويا: “مهما تكبري… هتفضلي أجمل حاجة عملتها في حياتي.”

تمت

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!