
كريم فضل شايل الطفل بإيدين مرتعشين كأنه أول مرة يفهم يعني إيه يبقى أب فعلًا. الصغير كان هادي بشكل غريب، باصصله بعينيه الضيقة اللي لسه ماعرفتش الدنيا، بينما ليلى واقفة قدامه حاسة إن قلبها بيتعصر من منظر ماكانت تتمناه يحصل بطريقة تانية تمامًا.
كان نفسها أول مرة يشيل ابنه تكون في أوضة المستشفى. وهي تعبانة لكن فرحانة. وهو يبص للطفل بدموع فرحة مش انهيار. كان نفسها الصورة دي تتعلق في ذاكرتها بشكل نضيف… مش بعد فضيحة وخيانة وانهيار جوازة كاملة.
كريم رفع عينيه ليها ببطء.
“اسمه إيه؟”
السؤال ضربها بغرابة.ق
لأنهم كانوا مختلفين على الاسم طول شهور الحمل. وكل مرة كانت تقول اسم… كان يرد ببرود إنه مش فاضي للكلام ده دلوقتي.
بلعت ريقها وقالت بهدوء:
“آدم.”
كريم كرر الاسم كأنه بيدوقه لأول مرة.
“آدم…”
والطفل حرّك إيده الصغيرة على ياقة قميصه. هنا كريم شهق شهقة صغيرة كأن اللمسة دي كسرت آخر حاجة فاضلة جواه.
أم ليلى كانت واقفة بعيد تراقب المشهد بحذر. الست طول عمرها عندها قدرة غريبة تشوف الحقيقة حتى لما الناس تمثل. وشافت دلوقتي إن الراجل ده منهار فعلًا. بس المشكلة إن بعض الانهيارات بتيجي بعد ما كل حاجة تبوظ خلاص.
كريم رجع الطفل لليلى ببطء شديد كأنه مش عايز يسيبه. وبعدها بص للأرض وقال بصوت مخنوق:
“أنا خسرت كل حاجة.”
ليلى أخدت ابنها وضمتّه لصدرها بدون رد.
ماعرفتش ليه الجملة ماشفقتش عليها. يمكن لأنها خسرت قبله بكتير. خسرت ثقتها. أمانها. حبها. نفسها القديمة.
كريم رفع عينيه تاني.
“الشركة وقفت حساباتي. وفي تحقيق رسمي بدأ.”
“عارفة.”
“عارفة؟”
هزت راسها بهدوء.
“الأخبار كلها جابت سيرتك.”
سكت شوية وبعدين قال:
“أنا ماكنتش متخيل إنك تعملي كده.”
هنا ضحكت ليلى ضحكة صغيرة موجوعة.
“وأنا ماكنتش متخيلة إنك تسيبني وأنا بولد.”
الكلمة نزلت عليه زي الطوبة.
فضل ساكت ثواني طويلة. بعدها قال بصوت واطي:
“أنا كنت غبي.”
“لأ.” قالت بسرعة وهي باصة في عينه مباشرة. “إنت كنت أناني.”
ولأول مرة… ماعرفش ينكر.
الشمس كانت داخلة من شباك الصالون على وشه فبان تعبان أكتر. الراجل اللي الجرائد كانت بتنزل صوره باعتباره أنجح رجل أعمال شاب بقى دلوقتي شكله أقرب لحد ما نِمش يومين.
أم ليلى قالت بحدة هادية:
“خلص كلامك يا أستاذ كريم. بنتي مش ناقصة ضغط.”
كريم هز راسه باحترام غريب لأول مرة.
“عند حضرتك حق.”
وبعدين طلع ظرف أبيض من جيب الجاكيت ومده لليلى.
“دي كل العقارات اللي هتتنقل باسم آدم.”
ليلى ماخدتوش فورًا.
“ليه؟”
ابتسم بسخرية من نفسه.
“علشان أول مرة أعمل حاجة صح.”
أمها أخدت الظرف بدلها وفتحته بسرعة. عقود. تنازل رسمي عن الفيلا وحساب توفير ضخم باسم الطفل وتأمين طويل المدى.
أمها بصتله بصدمة.
“إنت كاتب كل ده دلوقتي؟”
“من الفجر.”
ليلى بصتله بعدم فهم.
“وليه؟”
اتنهد كريم ببطء وقال الجملة اللي أخيرًا خرجت من قلبه:
“لأن وأنا شايف التحقيقات والناس بتبعد عني… اكتشفت إن أكتر حد خسرته ماكانش الشركة.”
عينه راحت للطفل.
“كان ابني.”
الصمت نزل تاني.
ليلى كانت عايزة تكرهه. فعلًا عايزة. بس المشكلة إن الوجع الكبير أوقات بيبقى أعقد من الكره. الإنسان اللي قدامها ده دمرها… لكنه برضه أبو ابنها. والرجل اللي حبته يومًا ما.
وده أسوأ نوع من الخسارة.
كريم قام ببطء.
“أنا همشي.”
لكن قبل ما يتحرك وقف فجأة.
“رانيا سابت البلد.”
ليلى ما اتهزتش.
“كويس.”
ضحك بمرارة.
“طلعت بتسرقني أنا كمان.”
رفعت حاجبها باستغراب.
كمل بصوت تعبان:
“خدت ملايين من الحسابات الجانبية وهربت.”
أم ليلى شهقت.
“يا نهار أسود.”
كريم ضحك ضحكة ميتة.
“واضح إن ربنا حب يوريني أنا كنت عامل إيه في الناس.”
ليلى ماعلقتش. لأنها بصراحة ماعادش فارق معاها رانيا. الست دي كانت مجرد عرض جانبي في كارثة أكبر. المشكلة الحقيقية كانت كريم نفسه.
قبل ما يخرج بص ناحيتها مرة أخيرة.
“أنا عارف إن مفيش فرصة تسامحيني.”
ليلى سكتت.
فكمل بابتسامة حزينة:
“بس أتمنى يومًا ما… آدم ما يكرهنيش.”
ولأول مرة من ساعة ما دخل… خرج من غير ما يحاول يكسب. من غير غرور. من غير أوامر. خرج كإنسان مكسور وبس.
الباب اتقفل وراه.
ليلى فضلت واقفة مكانها شوية. وبعدين فجأة حست إن جسمها كله بينهار. التعب اللي كانت مأجلاه من أيام ضربها دفعة واحدة.
أمها قربت بسرعة.
“مالك؟”
لكن ليلى ماعرفتش ترد. الدنيا بدأت تلف. ووش آدم بقى ضبابي قدامها.
ثواني… وجسمها وقع.
أمها صرخت باسمها.
بعد أقل من نص ساعة كانت ليلى على سرير طوارئ في مستشفى قريب. الدكتور كان بيشرح بعصبية إنها عندها هبوط حاد وإجهاد شديد ونزيف داخلي بسيط بسبب الحركة الزايدة والضغط النفسي بعد العملية.
أمها كانت قاعدة بره الأوضة منهارة. شايلة آدم الصغير اللي بدأ يعيط بشكل متواصل كأنه حاسس بكل حاجة.
وفجأة ظهر كريم تاني.
كان واضح إنه لسه ماوصلش بعيد لما أمها اتصلت فيه غصب عنها. يمكن لأنها مهما كانت زعلانة منه… كانت مرعوبة على بنتها.
أول ما شاف الدكتور خارج، جري عليه بجنون.
“هي كويسة؟”
الدكتور بصله ببرود.
“حضرتك جوزها؟”
“آه.”
“مراتك محتاجة راحة تامة. اللي هي فيه ده خطر بعد الولادة.”
كريم مرر إيده في شعره بتوتر مرعب.
“أنا السبب؟”
الدكتور بصله ثانيتين وقال بوضوح:
“حضرتك مش محتاج حد يجاوبك.”
الكلمة قت*لته.
قعد على الكرسي برا الأوضة وحط وشه بين إيديه. لأول مرة في حياته ماكانش قادر يهرب بالشغل. ولا بالفلوس. ولا بالعلاقات. لأول مرة اضطر يبص لنفسه بوضوح.
بعد ساعة سمحوا لواحد بس يدخل يشوفها.
أمها كانت هتدخل لكن ليلى همست باسم كريم.
أمها بصتلها بعدم تصديق.
“بعد كل اللي عمله؟”
ليلى ردت بتعب شديد:
“آدم لازم يعرف إن أبوه موجود.”
الجملة وجعت أمها… لكنها سكتت.
كريم دخل الأوضة ببطء. أول ما شاف ليلى على السرير وشها شاحب والمحاليل متوصلة فيها… عينيه اتمليت رعب حقيقي.
قرب منها كأنه خايف تختفي.
“ليلى…”
بصتله بتعب.
“خايف؟”
هز راسه فورًا.
همست بابتسامة ضعيفة:
“أنا كمان كنت خايفة… يوم الولادة.”
دموعه نزلت مباشرة.
قعد جنب السرير ومسح وشه بإيده بعنف.
“أنا آسف.”
ليلى بصت للسقف شوية.
“عارف… الغريب إن أكتر حاجة وجعتني ماكنتش الخيانة.”
بصلها بصمت.
“اللي وجعني إنك كنت عارف إني بخاف من المستشفيات… وبرضه سبتني.”
شهقة صغيرة خرجت منه.
يمكن لأنه افتكر فعلًا. افتكر إزاي كانت بتكره ريحة المطهرات بسبب وفاة أبوها. إزاي كانت بتتمسك بإيده في أي كشف بسيط.
ورغم كل ده… اختار يسيبها.
كريم مسك طرف السرير بإيد مرتعشة.
“لو رجع بيا الزمن—”
قاطعتو بهدوء:
“ما رجعش.”
الصمت طال بينهم.
لكن المرة دي ماكانش صمت كراهية.
كان صمت جنازة.
جنازة حب مات بطريقة قذرة.
بعد دقائق الباب خبط بخفة. ممرضة دخلت وهي شايلة آدم.
“البيبي مش راضي يسكت.”
أول ما الطفل اتحط جنب ليلى هدي فورًا. كريم فضل باصص عليه بانبهار موجوع.
ليلى بصت لابنها وهمست:
“هو الوحيد اللي طلع من كل ده نضيف.”
كريم غمض عينه كأنه اتضرب.
وفجأة قال:
“أنا هسلّم نفسي.”
بصتله بسرعة.
“إيه؟”
“في التحقيقات.”
ليلى ماقالتش حاجة.
فكمل:
“المحاسب كلمني. في ناس بيحاولوا يلبسوا كل حاجة ليكي لأن الأسهم باسمك.”
الغضب لمع في عينها فورًا.
“وده اللي كنت ناويه أصلًا؟”
“لا!” قالها بسرعة مرعبة. “أقسم بالله لا.”
لكن حتى وهو بيقولها… الاتنين كانوا عارفين إن جزء منه فعلًا كان هيعمل كده زمان. النسخة القديمة من كريم كانت هتضحي بأي حد علشان تنجو.
بس دلوقتي؟ حتى هو مش فاهم إمتى اتغير أو إذا كان اتغير فعلًا ولا لأ.
ليلى بصتله طويل.
“لو سلّمت نفسك… ممكن تدخل السجن.”
ضحك بمرارة.
“يمكن أستاهل.”
الطفل بدأ يتحرك بين إيديها الصغيرة، فبصله كريم وسأل فجأة:
“هو ممكن… لما يكبر… يبقى فخور بيا؟”
السؤال كان هش بشكل صادم.
ليلى ردت بعد وقت طويل:
“ده يعتمد على اللي هتعمله من النهارده.”
كريم هز راسه ببطء. وكأن الجملة دي حكم نهائي.
في الأيام اللي بعدها الدنيا اتقلبت أكتر. التحقيقات وسعت. أسماء كبيرة اتورطت. صحف نزلت مستندات. وبرامج اتكلمت عن إمبراطورية فساد كاملة كانت مستخبية تحت اسم شركات نظيفة.
لكن الغريب إن اسم ليلى بدأ يتحول لحاجة تانية على السوشيال ميديا.
الناس ماعادوش شايفينها الزوجة المخدوعة بس.
بقوا شايفينها الست اللي وقفت بعد الولادة مباشرة وواجهت راجل كان يقدر يدفنها اجتماعيًا.
نساء كتير بعتولها رسايل.
حكايات.
خيانة.
ضرب.
خذلان.
وكأن سقوط كريم فتح باب لوجع مستخبي عند ناس كتير.
أما هي… فكانت قاعدة كل ليلة في أوضة طفولتها ترضع آدم وتبصله وهو نايم وتسأل نفسها سؤال واحد:
هل الإنسان ممكن فعلًا يتغير؟
ولا الندم بييجي بس لما المصالح تخلص؟
وفي ليلة هادية بعد حوالي أسبوعين… موبايلها رن برسالة من رقم غريب.
فتحتها بتردد.
وكانت صورة.
رانيا.
قاعدة في مطار بره مصر.
لكن الصدمة ماكانتش في الصورة.
الصدمة كانت في الرسالة اللي تحتها:
“أنا معايا حاجة أخطر من الملف الأسود… وحياتك إنتِ وابنك في خطر لو الناس دي خافت.”
تمت
