
سارة مسكت إيدي بقوة… كأنها خايفة أسيبها لوحدها في اللحظة دي. “إحنا بنخسر إيه بالظبط؟” قالتها بصوت واطي، بس مليان غضب مكبوت. منى ابتسمت ابتسامة قصيرة… بس كانت مكسورة. “البيت… الفلوس… حياتكم هنا… كل ده هيروح.” أبويا رد قبل ما نرد: “الحياة اللي مبنية على كذب مش حياة.” سكتت منى فجأة. الكلمة دي ضربتها في مكان حساس. أنا بصيت حواليّ… البيت اللي كبرنا فيه، الحيطان اللي سمعنا فيها كلامها سنين، فجأة بقى غريب. لكن الغريب أكتر… إن قلبي كان ماشي في اتجاه واحد بس.
أمي. لفيت لسارة. “إنتِ عايزة إيه؟” سارة ما استنتش ثانية. “أشوفها.” الكلمة كانت بسيطة… بس حاسمة. بصيت لأبويا. “ودّينا لها.” منى فجأة صرخت: “مش هتخرجوا من هنا!” خطوة لقدام… كانت عايزة تمنعنا. لكن أبويا وقف قدامها لأول مرة بشكل واضح، وصوته كان قاطع: “كفاية.” سكتت. مش لأنها اقتنعت… لكن لأنها لأول مرة حسّت إنها خسرت السيطرة. بعد ساعة تقريبًا، كنا في العربية. الصمت كان تقيل… حتى صوت الطريق كان غريب. سارة كانت ماسكة صورة أمنا اللي أبويا اداهالنا، ومش بتبطل تبص عليها.
“هي هتفتكرنا؟” سألت فجأة. سؤال بسيط… بس وجعني. “حتى لو ما افتكرتش… إحنا هنفكرها.” وصلنا قدام مبنى بسيط… مش مستشفى كبير زي ما تخيلنا. مكان هادي… فيه شجر حواليه. أبويا نزل الأول. “هي هنا.” قفلت عيني لحظة… وخدت نفس عميق. وبعدين دخلنا. الممر كان طويل، وكل خطوة فيه كانت بتقربنا من حاجة عمرها ما كانت واضحة. لحد ما وقفنا قدام باب أبيض. أبويا بص لنا وقال بهدوء: “هي جوه.” سارة ما استنتش. فتحت الباب. واللحظة اللي دخلنا فيها…
شفنا ست قاعدة على كرسي جنب الشباك، شعرها أطول وأبيض شوية، بس ملامحها… نفس الملامح اللي نسيناها وبنفس الوقت عمرنا ما نسيناها. رفعت عينيها ببطء. وبصّت لنا. سكون. ثانية. اتنين. وبعدين همست بصوت مهزوز: “س… سارة؟” سارة وقفت مكانها. “ماما؟” الست قامت بسرعة، كأن الذاكرة رجعت دفعة واحدة. “ليان…؟” أنا ما قدرتش أتحرك. لكن دموعي نزلت لوحدها. وهي مدت إيديها… كأنها مش مصدقة. “إنتوا رجعتوا؟” وفي اللحظة دي… كل السنين اللي اتسرقت مننا… بدأت ترجع فجأة في حضن واحد.
سارة جريت عليها قبل ما حتى تفكر. الست وقفت في نص الغرفة، كأنها خايفة إن اللحظة دي تختفي لو لمستها بسرعة. ولما حضنتها… الزمن كله اتكسر. “سارة… أنا كنت بدور عليكم كل يوم…” صوت أمي كان بيرتعش وهي بتضمها كأنها خايفة تفلتها تاني. أنا واقفة عند الباب… مش قادرة أتحرك. حاسّة إني بتفرج على حلم مش مسموح ليه يحصل. وبعدين بصّتلي. نفس النظرة… نفس الدفء اللي اتدفن سنين. “ليان…” اسمي طلع منها كأنه مفتاح فتح كل حاجة جوايا.
خطوت خطوة… وبعدين خطوة تانية… لحد ما لقيت نفسي قدامها. “ماما…” الكلمة خرجت مني مكسورة. حضنتني. بس الحضن ده… كان مختلف. مش مجرد اشتياق. كان اعتذار صامت عن سنين ضاعت. “أنا ما سبتكوش… أنا اتسرقتم مني” همست وهي ماسكة إيديها الاتنين. سارة رفعت رأسها بسرعة: “مين اللي عمل كده؟” سكتت أمي لحظة… وبصّت وراي كأنها بتتأكد إن مفيش حد سامع. “اللي كانت عايشة معاكم… منى.” اسمي اتقال تاني في الغرفة بشكل مختلف… أثقل. أمي كملت بصوت منخفض:
“هي اللي نقلتني بعيد… وخلّتكم تفتكروا إني مش عايزاكم.” قلبي وقع. “بس أبوكم؟” بصّت لأبويا اللي كان واقف عند الباب. “هو صدقها… أو خاف يواجه الحقيقة.” الصمت ساد الغرفة. وبعدين فجأة… صوت خطوات سريعة في الممر. باب الغرفة اتفتح بعنف. منى. عينيها كانت مليانة غضب وذعر. “كفاية تمثيل!” أمي رجعت خطوة، لكنها ما سابتناش. منى أشارت بإصبعها: “إنتي فاكرة إنهم هيصدقوكي بعد 15 سنة؟” سارة وقفت قدامي. “إحنا صدقناها طول عمرنا… وطلعنا غلطانين.” منى اتجمدت.
أبويا دخل وراها. “انتهى يا منى.” الكلمة كانت بسيطة… لكنها كسرت آخر حاجة ماسكاها. “لا… لا مش انتهى!” صرخت، وعيونها بدأت تلمع بشكل مرعب. “أنا اللي ربيتهم! أنا اللي كنت موجودة!” لكن أمي ردت بهدوء قاتل: “بس مش أمهم.” الصمت اللي بعد الجملة دي كان أقوى من أي صراخ. منى رجعت خطوة… كأنها أخيرًا فهمت إن اللعبة خلصت. وبعدين فجأة… وقعت الرسالة اللي في إيدي على الأرض. نظرة أمي وقعت عليها. وبصّتلي: “دي بداية الحقيقة… مش نهايتها.”
سارة همست: “يعني فيه أكتر؟” أمي هزت رأسها ببطء. “فيه كل حاجة لسه ما اتقالتش.” وبصت للباب. “لأن اللي ساعد منى… لسه برا.” وفي اللحظة دي… فهمنا إن اللي رجعنا لأمنا مش نهاية القصة… ده بداية معركة أكبر بكتير من اللي كنا متخيلينه.


