
غرق المنزل كله في الظلام. تسارعت أنفاسي. وسمعت صوت خطوات ثقيلة قادمة من الطابق السفلي. الرجل المسن أسرع نحو النافذة ليتأكد مما يحدث. ثم عاد وهو شاحب الوجه. وقال بصوت مرتجف: “فيه اتنين بره.” نظر المحامي نحوي بسرعة. “خدي الصندوق.” أمسكت الصندوق المعدني بقوة. كانت يداي ترتجفان. لكنني لم أكن مستعدة للتراجع بعد كل ما اكتشفته. سمعنا صوت باب يُفتح بعنف في الأسفل. ثم صوت رجل يصرخ: “دوروا فوق!” شعرت بأن الدم تجمد في عروقي.
أخرج المحامي هاتفه واتصل بالشرطة فورًا. ثم أشار لنا بالتحرك نحو غرفة خلفية صغيرة. اختبأنا هناك لدقائق بدت وكأنها ساعات. حتى سمعنا أخيرًا أصوات سيارات الشرطة تقترب. بعد دقائق أخرى عمّ الهدوء المكان. خرجنا بحذر. وكان رجال الشرطة قد ألقوا القبض على رجلين حاولا اقتحام المنزل. لكن المفاجأة أن أحدهما اعترف فورًا. قال إنه تلقى المال مقابل استعادة ملف معين. وعندما سأله الضابط عمن دفع له… ذكر اسمًا جعلني أتجمد. رانيا. أختي. جلست على أقرب كرسي وكأن ساقيّ لم تعودا قادرتين على حملي.
رانيا؟ حتى هي كانت تعرف؟ لكن الأسئلة لم تنتهِ بعد. في اليوم التالي بدأت الشرطة مراجعة المستندات والتسجيلات القديمة. ومع إعادة فتح التحقيق رسميًا ظهرت حقائق كانت مخفية لعشرين عامًا. الحقيقة الأولى: خالد اختلس أموالًا ضخمة من شركة أبي. الحقيقة الثانية: أبي اكتشف الأمر وكان يستعد لفضحه. الحقيقة الثالثة: سيارة أبي تعرضت فعلًا للتخريب قبل الحادث. أما الحقيقة الرابعة… فكانت الأصعب. الشريك الذي مزقت الصفحة اسمه لم يختفِ للأبد. لأن نسخة أخرى من الرسالة كانت موجودة داخل الملف الاحتياطي.
عندما فتحها المحامي أمامي شعرت بأن قلبي سيتوقف. الاسم المكتوب كان: كمال. شقيق خالد الأكبر. رجل أعمال معروف وقتها. وكان يملك نفوذًا واسعًا ساعد على إغلاق التحقيق واختفاء الشاهد. خلال الأسابيع التالية انهارت الأكاذيب واحدة تلو الأخرى. ألقت الشرطة القبض على خالد. ثم على كمال. وبدأت التحقيقات في قضية ظلت مدفونة أكثر من عشرين سنة. أما أمي… فكانت القصة الأكثر إيلامًا. طلبت مقابلتي بعد أيام. جلست أمامي وهي تبدو أكبر بعشرين سنة مما أتذكر. كانت تبكي.
لأول مرة منذ وفاة أبي رأيتها منهارة بهذا الشكل. قالت بصوت مكسور: “أنا غلطت.” لم أجب. أكملت وهي تبكي: “كان لازم أتكلم.” سألتها: “ليه ما عملتيش كده؟” أخفضت رأسها. وقالت: “خفت.” صمتت للحظات. ثم أضافت: “كنت فاكرة إني بحميكي.” لم أستطع الرد. لأن جزءًا مني كان غاضبًا. وجزءًا آخر كان يرى أمامه امرأة عاشت عشرين عامًا سجينة خوفها. أما رانيا فاعترفت لاحقًا أنها عرفت جزءًا من الحقيقة فقط. وكان خالد يقنعها دائمًا أن أي كشف للماضي سيدمر العائلة كلها.
لكنها عندما حاولت سرقة الملفات اختارت الجانب الخطأ. ومع الوقت واجهت هي أيضًا نتائج أفعالها. بعد شهور طويلة من التحقيقات أصدرت المحكمة حكمها. وأُدين خالد وكمال في القضية. أما وصية أبي فقد ثبتت صحتها. واكتشفت أن البيت القديم الذي بيع لم يكن الشيء الوحيد الذي تركه لي. كانت هناك أصول وأموال جرى إخفاؤها لسنوات طويلة. لكن الغريب أن المال لم يعد يعني لي الكثير. بعد كل ما حدث. بعد كل تلك السنوات. كل ما كنت أريده حقًا هو الحقيقة.
وفي أحد الأيام عدت إلى بيت جدتي القديم. الملاك الجدد كانوا قد انتهوا من ترميمه. ورحبوا بي كأنني فرد من العائلة. صعدت إلى غرفة جدتي. وجلست وحدي لبعض الوقت. أتأمل الجدران. وأتذكر رائحة القرفة التي كانت تملأ المكان. ثم أخرجت آخر رسالة وجدتها داخل الصندوق. رسالة قصيرة جدًا. لم أقرأها من قبل. كانت من جدتي. ومكتوب فيها: “يا نورا… قد لا أعيش حتى أقول لك الحقيقة بنفسي. لكن تذكري دائمًا أن الحق قد يتأخر سنوات طويلة…
لكنه لا يضيع أبدًا. سامحيني لأنني أخفيت الأسرار. وافخري بوالدك. لقد كان رجلًا شريفًا حتى آخر يوم في حياته.” في تلك اللحظة فقط… شعرت أن الحمل الذي حملته طوال السنوات الماضية بدأ يختفي. أغلقت الرسالة. ونظرت من نافذة الغرفة نحو الحديقة القديمة. وابتسمت لأول مرة منذ وفاة أبي. لأن الحقيقة خرجت أخيرًا إلى النور. ولأن جدتي… رغم رحيلها… أنقذتني من أكبر كذبة عشتها في حياتي. النهاية.
