
الفصل الثالث ظل كريم يحدق في شاشة الكمبيوتر لعدة ثوانٍ طويلة. كان الضوء الأزرق المنعكس على وجهه يكشف الشحوب الذي بدأ يزحف إلى ملامحه. الرسالة كانت قصيرة جدًا. قصيرة لدرجة أنها بدت أكثر رعـ . ـبًا. “الملف الأخضر وصل للمكان الصحيح. هذه مجرد نسخة واحدة.” لا توقيع. لا اسـ . ـم. لا أي شيء آخر. لكن كريم لم يكن بحاجة لمعرفة المرسل. كان يعرف. مريم. أغلق الكمبيوتر بعنـ . ـف. وقف من مكانه. ثم بدأ يدور داخل مكتبه كحيـ . ـوان محاصر.
لأول مرة منذ سنوات طويلة… شعر بالخـ . ـوف. الخـ . ـوف الحقيقي. ليس خـ . ـوف خسـ . ـارة صفقة. ولا خسـ . ـارة مال. بل خـ . ـوف الرجل الذي يدرك أن أسراره لم تعد ملكه. في صباح اليوم التالي… اجتمعت عائلة المنصوري كلها في مكتب الأب. كان الحاج فؤاد المنصوري يجلس خلف مكتبه الضخم المصنوع من خشب الجوز. الرجل الذي قضى أربعين عامًا يبني إمبراطوريته التجارية. والذي كان الجميع يخشاه. حتى أبناؤه.
جلس كريم أمامه. وإلى جواره والدته سعاد. وشقيقته رانيا. كان الصمت ثقيلاً. ثم قال فؤاد: “عايز حد يفهمني بالظبط إيه اللي بيحصل.” ابتلع كريم ريقه. لكنه لم يجب. فانفجرت سعاد: “أكيد البنت الحقيرة دي ورا كل حاجة!” نظر إليها فؤاد بحدة. “اسكتي.” فسكتت فورًا. ثم أعاد نظره إلى ابنه. “مريم معاها إيه؟” هذه المرة لم يستطع كريم الكـ . ـذب. قال بصوت منخفض: “ملفات.” ارتفع حاجبا فؤاد. “ملفات إيه؟” صمت كريم. وهنا فهم الأب. لأن رجال الأعمال الكبار يعرفون أن الصمت أحيانًا أخـ . ـطر من الكلام.
مال بجسده للأمام. وقال ببطء: “إنت عملت مصيبة.” في شقة أحمد… كانت مريم تجلس على الأرض تلعب مع جـ . ـنى. ضحكات الطفلة الصغيرة كانت تملأ المكان. ورغم كل ما يحدث… كانت هذه أول مرة منذ سنوات تشعر فيها بالسعادة الحقيقية. دخل أحمد حاملاً كوبين من الشاي. ناولها أحدهما. ثم قال: “في حد واقف تحت العمارة من ساعة.” رفعت رأسها. “مين؟” “مش عارف.” اقتربت من النافذة. ونظرت بحـ . ـذر. لتجد سيارة سوداء فاخرة متوقفة في الجهة المقابلة.
وفور رؤيتها… عرفت. سيارة فؤاد المنصوري. بعد نصف ساعة… كان الحاج فؤاد يجلس داخل غرفة الجلوس. لأول مرة يدخل بيتًا متواضعًا كهذا منذ سنوات طويلة. نظر حوله. الأثاث بسيط. الجدران عادية. لكن المكان يحمل شيئًا لم يكن موجودًا في فيلته الضخمة. راحة. دخلت مريم وهي تحمل جـ . ـنى. لم ترتبك. لم تتوتر. جلست مقابله بهدوء. ثم قالت: “خير؟” نظر إلى حفيدته أولًا. ثم إلى مريم. وقال: “عايز أتكلم.” أجابت: “اتفضل.” أخذ نفسًا عميقًا. “إنتِ عايزة إيه؟”
ابتسـ . ـمت مريم. ابتسامة صغيرة جدًا. ثم قالت: “سؤال غريب.” قطب حاجبيه. فأكملت: “لأن طول خمس سنين محدش فيكم سألني أنا عايزة إيه.” ساد الصمت. ثم قال فؤاد: “خلينا عمليين.” هزت رأسها. “تمام.” قال: “كل حاجة ليها تمن.” نظرت إليه. “وأنا مش للبيع.” ظهرت أول علامة غضـ . ـب على وجهه. لكنه تمالك نفسه. “مريم… أنا جاي أحل المشـ . ـكلة.” ضحكت بخفة. “المشـ . ـكلة بدأت يوم ما اعتبرتوني خدامة مش زوجة.” سكت.
“ويوم ما كنتم بتخططوا تتخلـ . ـصوا مني بعد ما استخدمتوني.” سكت أكثر. “ويوم ما ابنك خانني.” ظل صامتًا. لأنه يعرف أنها لا تكـ . ـذب. في تلك اللحظة… ركضت جـ . ـنى الصغيرة نحو جدها بطريقة طفولية مضحـ . ـكة. توقفت عند قدمه. ثم رفعت يديها الصغيرتين نحوه. نظر فؤاد إليها. وتجمد. لأنها كانت تشبه ابنه عندما كان طفلًا. بنفس الطريقة المزعجة. ونفس العينين. ونفس الابتسامة. لأول مرة منذ زمن طويل…
