
الفصل الثاني
أغلقت مريم باب الفيلا خلفها دون أن تنظر إلى الوراء.
لم يكن المشهد كما تخيلته طوال السنوات الماضية.
لا دمـ . ـوع.
لا صراخ.
لا انهيار.
فقط شعور غريب بالهدوء.
كأنها كانت تحمل فوق كتفيها جبلًا كاملًا، وفجأة سقط عنها دفعة واحدة.
لفّت جـ . ـنى ببطانيتها أكثر، واتجهت نحو سيارتها الصغيرة القديمة المتوقفة أمام البوابة.
السيارة نفسها التي كانت حمـ . ـاتها تسخـ . ـر منها دائمًا.
“عربية موظفين… تليق بواحدة زيك.”
رغم أن مريم هي من اشترتها قبل الزواج بسنوات من راتبها عندما كانت تعمل محاسبة في شـ . ـركة استيراد كبيرة.
قبل أن يقنعها كريم بترك العمل.
قبل أن يقنعها أن الزوجة المحترمة مكانها البيت.
قبل أن تتحول حياتها بالتدريج إلى خدمة مجانية لعائلته كلها.
وضعت جـ . ـنى في المقعد الخلفي.
ثم جلست خلف المقود.
لكنها لم تُشغل السيارة.
بقيت تحدق في الفيلا الضخمة أمامها.
نوافذها المضيئة.
أسوارها العالية.
البوابة الحديدية التي كانت تشعرها دائمًا وكأنها سجـ . ـينة داخل قصر ذهبي.
رن هاتفها.
اسـ . ـم المتصل:
“أحمد”.
شقيقها الأكبر.
تنهدت وأجابت.
جاءها صوته القلق:
“مريم؟ إنتِ كويسة؟”
صمتت للحظة.
ثم قالت:
“طلقني.”
ساد الصمت.
ثوانٍ طويلة.
قبل أن ينفجر أحمد:
“الحقير عملها؟!”
أغمضت عينيها.
“أيوه.”
“أنا جاي حالًا.”
“لا.”
“إزاي لا؟!”
“مش عايزة خنـ .ـاقات.”
“بعد اللي عمله؟”
ابتسـ . ـمت لأول مرة.
ابتسامة صغيرة باردة.
وقالت:
“متقلقش… اللي هيحصل هيكون أسوأ بكتير من الخنـ .ـاقات.”
سكت أحمد.
فهو يعرف أخته جيدًا.
وعندما تتحدث بهذا الهدوء…
فهذا يعني أن شخصًا ما على وشـ . ـك أن يدفع ثمنًا باهظًا.
في الطابق الثاني من الفيلا…
كان كريم يقف عند النافذة.
يشاهد سيارتها تغادر.
ثم أخرج هاتفه واتصل برقم محفوظ.
جاءه صوت أنثوي ناعم:
“خلصت؟”
ابتسـ . ـم.
“أخيرًا.”
ضحكت المرأة.
“وأخدتها بسهولة؟”
“أسهل مما توقـ . ـعت.”
“ومريم؟”
هز كتفيه رغم أنها لا تراه.
“زي أي ست. شوية دمـ . ـوع وهتهدى.”
لم يكن يعلم أن مريم في تلك اللحظة لم تكن تبكي.
بل كانت تتجه مباشـ .
ـرة إلى المكان الوحيد الذي يمكن أن يقلب حياته رأسًا على عقب.
بعد ساعة…
كانت مريم تجلس داخل شقة أحمد في مدينة نصر.
شقة متواضعة.
لكنها لأول مرة منذ سنوات شعرت فيها بالأمان.
وضعت جـ . ـنى في سريـ . ـر الأطفال الذي أسرع أحمد بشـ . ـرائه قبل شهر عندما ولدت.
ثم جلست أمام الطاولة.
وأخرجت الملف الأخضر.
جلس أحمد أمامها.
نظر إلى الملف.
ثم إليها.
وقال:
“عايز أفهم.”
أخذت نفسًا عميقًا.
ثم فتحت الملف.
أول ورقة كانت كشف تحويلات بنكية.
ثم عقود.
ثم صور.
ثم نسخ من رسائل إلكترونية.
ثم تسجيلات مطبوعة.
اتسعت عينا أحمد تدريجيًا.
“يا نهار أبيض…”
هزت رأسها.
“لسه.”
ثم أخرجت الفلاشة الصغيرة.
وضعتها أمامه.
“الأصل كله هنا.”
نظر إليها بذهول.
“إنتِ كنتِ بتعملي إيه طول الشهور دي؟”
قالت:
“بستعد.”
قبل شهرين…
كانت مريم تستيقظ ليلًا لترضع جـ . ـنى.
حينها لاحظت أن كريم بدأ يخرج كثيرًا.
مكالمـ . ـات سرية.
اجتماعات متأخرة.
سفرات مفاجئة.
في البداية ظنت أنها خـ . ـيانة.
ثم اكتشفت أن الخـ .
ـيانة كانت أصغر مشـ . ـكلة.
بكثير.
ذات ليلة…
ترك كريم حاسوبه المحمول مفتوحًا.
خـ . ـطأ بسيط.
لكن ذـ . لك الخـ . ـطأ كشف كل شيء.
كانت هناك ملفات مالية.
شـ . ـركات وهمية.
حسابات خارجية.
أموال تُنقل بين شـ . ـركات مملوكة لوالده وأخرى بأسـ . ـماء مـ . ـزيفة.
في البداية لم تفهم.
لكن بحكم عملها السابق كمحاسبة…
فهمت سريعًا.
الأرقام كانت تصـ . ـرخ.
كان هناك تهرب ضريبي.
غسيل أموال.
وتحويلات مشبوهة بملايين الجـ . ـنيهات.
والأخـ . ـطر…
أن كريم كان يوقع على كثير من العمليات بنفسه.
عاد أحمد إلى الحاضر.
كان وجهه شاحبًا.
“إنتِ متأكدة؟”
أومأت.
“مية في المية.”
“يعني لو ده وصل للجهات المختصة…”
“هيتحبسوا.”
سكت.
ثم قال:
“كلهم؟”
قالت:
“كل واحد متورط.”
في نفس الوقت…
داخل الفيلا…
استيقظت سعاد المنصوري.
والدة كريم.
ونزلت إلى المطبخ.
وجدت ابنها يحتسي القهوة.
فسألت:
“فين مريم؟”
رفع رأسه.
“مشيت.”
ابتسـ . ـمت بسعادة.
“أخيرًا.”
قال:
“طلقتها.”
جلست أمامه.
ثم قالت:
“أحسن قرار عملته في حياتك.”
ابتسـ . ـم.
لكن فجأة رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
ثم تجمد.
المتصل كان:
مدير الشـ . ـركة.
أجاب.
جاءه الصوت مرتبكًا.
“أستاذ كريم… عندنا مشـ . ـكلة.”
قطب حاجبيه.
“مشـ . ـكلة إيه؟”
“في حد دخل على السيرفر الرئيسي الليلة.”
انتفض.
“إيه؟!”
“وتم نسخ ملفات حساسة.”
شحب وجه كريم.
“إزاي؟”
“لسه بنحقق.”
بدأ قلبه يدق بعنـ . ـف.
لأنه يعرف بالضبط من فعل ذـ . لك.
مريم.
في شقة أحمد…
كانت مريم تحمل جـ . ـنى النائمة.
وتنظر من النافذة.
اقترب منها أحمد.
“هتعملي إيه دلوقتي؟”
نظرت إلى ابنتها.
ثم قالت:
“هحمي مستقبل بنتي.”
“وبعدين؟”
التفتت نحوه.
وكانت عيناها باردتين بشـ . ـكل لم يره من قبل.
“وبعدين… هخليهم يتمنوا لو كانوا طلقوني باحترام.”
مر يومان.
ثم ثلاثة.
ثم أسبوع.
وخلال ذـ . لك الأسبوع…
بدأت الكوابيـ . ـس داخل عائلة المنصوري.
مراجعات ضريبية مفاجئة.
اتصالات من جهات رقابية.
طلبات مستندات عاجلة.
استدعاءات رسـ . ـمية.
ومحاسبون يركضون في كل اتجاه.
بينما كان كريم يزداد توترًا كل ساعة.
لأنه يعرف أن كل هذا لم يحدث من فراغ.
كان هناك شخص ما يسحب الخيط الأول من السجادة.
وسرعان ما سينهار كل شيء.
في مساء اليوم الثامن…
وصل إلى مريم ظرف كبير.
كانت تنتظره.
فتحته بهدوء.
فابتسـ . ـمت.
سألها أحمد:
“إيه ده؟”
أخرجت الأوراق.
ثم وضعتها أمامه.
اتسعت عيناه.
“مستحيل.”
قالت بهدوء:
“بالعكس.”
“إنتِ رفعتي قضية؟”
هزت رأسها.
“حضانة كاملة.”
“ونفقة.”
“ونصيبي القانوني.”
ثم أخرجت ورقة أخيرة.
الأخـ .
ـطر بينهم جميعًا.
نظر إليها أحمد.
ثم ابتلع ريقه.
“دي لوحدها هتدمر كريم.”
أومأت مريم.
ثم أغلقت الملف الأخضر مرة أخرى.
وقالت:
“وده مجرد البداية.”
وفي اللحظة نفسها…
كان كريم يفتح بريده الإلكتروني.
لتظهر أمامه رسالة مجهولة المصدر.
عنوانها كان:
“الملف الأخضر وصل للمكان الصحيح.”
وبمجرد أن قرأ السطر الأول…
شعر بأن الأرض بدأت تنهار تحت قدميه.
يتبع…
