Advertisements
Advertisements
منوعات

حكايات رومانى ×2

Advertisements

الصوت رن في الممر كله، والناس بدأت تتلفت علينا. مريم نزلت على ركبها في الأرض وهي بتترعش بشكل هيستيري، وإيدها على بوقها مش قادرة تطلع النفس. وطيت عليها بسرعة وأنا مرعوب، مسكت كتافها: “مريم! في إيه؟ إيه اللي حصل؟ ردي عليا يا مريم!” مكنتش بتنطق، كانت بتشاور على الموبايل اللي وقع على الأرض وشاشته اتشرخت. أخدت الموبايل ولقيت الخط لسه مفتوح، حطيته على ودني وصوتي بيرجف: “ألو.. مين معايا؟” جالي صوت راجل مخنوق بالدموع وبيتكلم بسرعة وصدمة:

“أنا تامر.. ابن خالة مريم.. الحقنا يا أحمد، طنط إلهام (أم مريم) وقعت من طولها فجأة في الصالة، ونقلناها المستشفى العام.. الدكاترة بيقولوا جلطة في القلب والموضوع خطير جدًا.. مريم فين؟ كلمتها ومش بترد!” الدنيا لفت بيا. أم مريم.. الست اللي مريم كانت بتتبهدل في الكيماوي وتتحمل برودي وكل الوجع ده لمجرد إنها متكسرش قلبها ولا تخليها تشيل الهم. المرض مسبش وقت لمريم عشان تخبي أكتر. بصيت لمريم اللي كانت بتعيط وبتقول بصوت مسموع بالعافية:

“أمي يا أحمد.. أمي عرفت.. أنا السبب.. هي حست بيا وعرفت!” شيلت مريم من على الأرض بأقصى سرعة، مكنتش شايف قدامي ولا حاسس بحملها. نسيت جرعة الكيماوي، ونسيت الخلافات، ونسيت كل حاجة.. مفيش في دماغي غير إني لازم أنقذ الست دي عشان مريم متمــ,,ـــــوتش وراها. ركبنا العربية، ومريم طول الطريق كانت بتدعي وتصوت وهي ماسكة في إيدي بقوة عمري ما تخيلتها.. القوة اللي كانت بتستمدها مني كأني بقيت حبل الإنقاذ الوحيد ليها في الدنيا. وأنا كنت بسوق بأقصى سرعة وبدعي ربنا جوه قلبي: *يا رب متوجعهاش فيها.. يا رب أنا مستعد أتحمل أي حاجة بس مريم متتكسرش الكسرة دي.*

وصلنا المستشفى العام، ممر الطوارئ كان زحمة ودوشة. لقينا تامر ابن خالتها واقف برا الرعاية المركزة ووشه ضايع. مريم جريت عليه ودموعها مغرقة وشها: “أمي فين يا تامر؟ أمي جرالها إيه؟” تامر بصلي بنظرة عتاب وألم، وقال بصوت واطي: “الدكاترة جوه معاها.. لسه بيحاولوا يدوبوا الجلطة.. بس هي قبل ما يغمى عليها كانت ماسكة علبة الدوا بتاعتك يا مريم.. كانت بتدور على حاجة في أوضتك ولقيت التحاليل وروشتات الكيماوي.. صرخت صرخة واحدة ووقعت.”

مريم لفت وشها ليا.. النظرة اللي في عينيها دمرتني. كانت نظرة بتقول: *لو كنت وقفت جنبي.. لو كنت شيلت معايا السر.. لو مكنتش سبتني أمشي وأروح عند خالتي.. مكنش كل ده حصل.* وقعت مريم على كراسي الانتظار، غايبة عن الوعي تمامًا من كتر الصدمة والضغط النفسي والتعب الجسدي من المرض. الدكاترة جريوا عليها وأخدوها في أوضة تانية عشان يعلقوا ليها محاليل. فضلت واقف في الممر لوحدي.. بين أوضة الأم اللي بين الحياة والمــ,,ـــــوت بسبب الصدمة، وبين أوضة مراتي اللي بتضيع مني وهي لسه في أول عمرها.

عدت ساعات كأنها سنين. وفجأة، باب الرعاية المركزة اتفتح، والدكتور خرج وهو بيقلع الكمامة والوجع باين على وشه. جريت عليه: “خير يا دكتور؟ طمنا أرجوك!” الدكتور اتنهد وقال: “الحمد لله، عدينا مرحلة الخطر والجلطة دابت.. بس الست دي لازم تبعد عن أي ضغط نفسي، وأي صدمة تانية ممكن توقف قلبها فوراً.. هي فاقت وبتنده على بنتها مريم.. لازم بنتها تدــ,,ـــــخلا دلوقتي عشان تطمنها.” أخدت نفس طويل لأول مرة من ساعات، وجريت على أوضة مريم. كانت بدأت تفوق والمحلول في إيدها. قعدت جنبها على السر,,ـــــير، ومسكت وشها بين إيديا بحنان وعيني مليانة دموع:

“مريم.. قومي يا حبيبتي.. مامتك فاقت والجلطة دابت والحمد لله بقت كويسة.. وبتنده عليكي بره.” مريم عينيها لمعت ببريق أمل، وحاولت تقوم بسرعة رغم ضعفها. شيلت معاها كيس المحلول وساعدتها تقف، وقبل ما نخرج من الأوضة، بصتلي وقالت بصوت هادي وبتحذير: “أحمد.. أمي لو شافت في عيونك أي حاجة، أو حست إننا مش سمنة على عسل.. هتمــ,,ـــــوت فيها.. أنت فاهم؟” هزيت راسي بسرعة: “والله العظيم يا مريم أنا شاري ومستعد أعمل أي حاجة.. بس ادخلي واطمني.”

دخلنا أوضة الرعاية. أم مريم كانت قاعدة على السر,,ـــــير، وشها شاحب وجنبها الأجهزة بتصفر بصوت منتظم. أول ما شافت مريم، دموعها نزلت ومدت إيدها المرتعشة: “مريم.. يا بنتي.. إيه الورق اللي شفته ده؟ أنتِ تعبانة؟” مريم جريت عليها، اتأثرت جداً بس حاولت تمسك نفسها وتضحك وسط دموعها، وبصتلي وقالت لأمها: “تعبانة إيه بس يا أمي؟ ده وهم.. أحمد هو اللي مكبر الموضوع وعامل حوار.” أمي بصتلي بعيون مليانة شك وخوف وقالت: “أحمد.. قولي الحقيقة يا بني.. بنتي مالها؟”

قربت من السر,,ـــــير، ووقفت جنب مريم، ولفيت دراعي حوالين كتافها وضمتها ليا بكل قوتي قدام والدتها. بصيت للحماتي وقلت بنبرة كلها صدق ويقين: “يا أمي، مريم عندها ورم بسيط جداً وحميد، وبدأنا علاج والجرعات ماشية ممتاز والدكاترة مطمنينا تماماً.. مريم هتبقى زي الفل، وأنا معاها ومش هسيبها ثانية واحدة.. ده أنا روحي بقت معلقة بروحها يا أمي، ومقدرش أعيش من غيرها.” مريم لفت وشها وبصتلي.. النظرة المرة دي كانت غريبة.. مكنش فيها كسر، كان فيها ذهول من النبرة اللي اتكلمت بيها، وكأنها حست لأول مرة إن الكلام طالع من جوه قلبي مش تمثيل.

أم مريم ارتاحت ملامحها، وبصتلنا وإحنا واقفين جنب بعض، وقالت بصوت ضعيف: “ربنا يسعدكم يا بني.. حافظ عليها يا أحمد.. مريم ملهاش غيرك.” خرجنا من الرعاية بعد ما الزيارة خلصت عشان تسيبها ترتاح. وقفنا في الممر برا.. مريم بعدت عني خطوة، وبصت في الأرض وهي بتفرك إيدها بتوتر، وقالت: “شكراً يا أحمد.. الكلمتين اللي قولهم جوه ريحوا أمي وإنقذوا حياتها.. أنا مقدرة ده.. ودلوقتي تقدر تمشي، وأنا هقعد معاها.” قربت منها تاني، ورفعت وشها بإيدي وصممت إن عيني تيجي في عينها:

“مش همشي يا مريم.. التمثيلية اللي عملناها جوه دي.. مكنتش تمثيلية بالنسبة لي.. أنا كنت بقول الحقيقة اللي عرفتها متأخر.. أنا بحبك يا مريم، ومش هسيبك تواجهي المرض ده لوحدك.” مريم بصتلي وعينيها اتملت دموع تاني، ولسه هتتكلم.. لقيت تامر ابن خالتها جاي علينا بسرعة ومن وراه شخص غريب لابس بدلة شيك.. تامر وقف وقالنا بصوت باين فيه القلق: “أحمد.. مريم.. في مصيبة تانية حصلت برا المستشفى تخص الشقة بتاعتكم!”

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!