Advertisements
Advertisements
منوعات

أمي حكـايـات أسمـا ×3

Advertisements

مرت سنتان بعد تلك الليلة التي رجعت فيها أمي معنا من المنيا، وكنت أظن أن كل شيء صار أخيرًا في مكانه الصحيح. بيتنا أصبح أكثر دفئًا، وأمي لم تعد تشعر أنها ضيفة، وياسمين لم تعد تحمل ذلك التوتر الصامت في عينيها. حتى زينب الصغيرة صارت تربط البيت كله ببعضه بطريقة عجيبة، كأن ضحكتها وحدها قادرة أن تصلح أي شرخ قبل أن يكبر. كانت تركض بيننا طوال اليوم بشعرها الأسود المنكوش وصوتها العالي، تنادي أمها “يامو” وتنادي أمي “تيتا زوزو”، وتجعلنا نضحك رغم التعب والضغط والشغل.
لكن الإنسان أحيانًا يرتكب نفس الخطأ بشكل مختلف دون أن يشعر.
وأنا…

كنت على وشك أن أتعلم درسًا جديدًا.
في تلك الفترة، بدأت الشركة التي أعمل بها تدخل مشروعًا ضخمًا مع مستثمرين أجانب. المشروع كان يعني ترقية كبيرة بالنسبة لي، وربما منصبًا أعلى وراتبًا مضاعفًا. ولأول مرة منذ سنوات، عاد ذلك الجوع القديم بداخلي. جوع النجاح. جوع أن أثبت أنني الأفضل. جوع أن أكون “أدهم السيوفي” الذي تتحدث عنه الشركات.
في البداية، كنت أقول لنفسي إنني أفعل ذلك من أجل عائلتي.
من أجل مستقبل زينب.
من أجل أن ترتاح أمي أكثر.
لكن الحقيقة التي لم أعترف بها وقتها… أن جزءًا مني كان يفعلها لنفسه.

بدأت أرجع البيت متأخرًا.
مرة بحجة الاجتماعات.
ومرة بحجة السفر.
ومرة لأن المدير الإقليمي موجود.
في البداية، ياسمين لم تشتكِ.
كانت تستقبلني بابتسامتها المعتادة، تسخن لي الأكل، وتسألني إذا كنت مرهقًا.
وأنا كنت أقبل كل ذلك كأنه حق طبيعي.
ثم بدأت زينب تكبر قليلًا… وتلاحظ.
في إحدى الليالي، رجعت البيت بعد منتصف الليل، فوجدت الضوء مفتوحًا في الصالة. دخلت بهدوء حتى لا أوقظهم، لكنني وجدت زينب جالسة على الكنبة الصغيرة وهي نائمة وهي تحتضن رسمة ملونة.
قلبي انقبض.
شلتها بهدوء، لكنها فتحت عينيها نصف فتحة وهمست بنعاس: — بابا؟
ابتسمت:

— إيه يا قلب بابا؟ لسه صاحيين؟
قالت بجملة بسيطة كسرتني دون أن أشعر: — كنت مستنياك علشان تشوف الرسمه.
أخذت الورقة من يدها.
كانت رسمة بيت.
فيه ثلاث أشخاص واقفين يمسكوا بعض.
وياسمين مرسومة وهي تحمل زينب.
لكن مكاني أنا… كان فاضي.
فقط دائرة فارغة.
ضحكت بخفة حتى أخفي شعوري: — وبابا فين؟
قالت وهي تغمض عينيها: — ماعرفتش أرسمك… علشان إنت دايمًا في الشغل.
الجملة دخلت في صدري كإبرة بطيئة.
حملتها ودخلت بها إلى غرفتها، ثم خرجت أبحث عن ياسمين.
وجدتها في المطبخ تغسل الأكواب بصمت.

قلت وأنا أحاول أن أبدو طبيعيًا: — ليه سهرانة؟
قالت بدون أن تنظر لي: — مستنياك.
كان ردها بسيطًا جدًا… لكنه لم يعد يحمل نفس الدفء القديم.
اقتربت منها: — مالك؟
قالت وهي تكمل غسل الكوب: — مافيش.
كرهت تلك الكلمة.
لأنني تعلمت سابقًا أن “مافيش” عند النساء اللواتي يحببن كثيرًا… تعني أشياء كثيرة جدًا.
قلت بهدوء: — ياسمين… بصيلي.
التفتت ببطء.
وكان التعب ظاهرًا في وجهها بشكل واضح لأول مرة.
قالت: — إنت بقيت غايب يا أدهم.
تنهدت: — الشغل الفترة دي صعب.
هزت رأسها: — أنا عارفة.

بس زينب بقت تستناك بالساعات.
قلت بسرعة: — كله علشانها.
ابتسمت بحزن: — الأطفال ما بيفهموش الفلوس يا أدهم. بيفهموا مين حضنهم ومين لعب معاهم.
شعرت بالضيق.
جزء مني شعر أنها لا تقدّر الضغط الذي أعيشه.
فقلت بعصبية خفيفة: — يعني أسيب مستقبلي والشغل علشان ألعب؟
وفور ما خرجت الجملة… تمنيت لو أستطيع إرجاعها.
لأن وجه ياسمين انكسر حرفيًا أمامي.
قالت بصوت هادئ جدًا: — أنا عمري ما طلبت منك تسيب شغلك. أنا بس كنت بطلب ما تسيبناش إحنا كمان.
ثم خرجت من المطبخ.
وتركتني واقفًا وحدي.
في تلك الليلة…

لم أنم جيدًا.
لكن بدل ما أراجع نفسي، غروري أقنعني أنها تبالغ.
قلت لنفسي: كل الرجال يشتغلون. كل الآباء يتعبون. أنا لا أفعل شيئًا خطأ.
وذلك كان بداية المشكلة.
مرت الأسابيع، وبدأ التوتر يزيد بهدوء.
ياسمين لم تعد تحكي لي تفاصيل يومها.
لم تعد ترسل صور زينب أثناء العمل كما كانت تفعل.
حتى ضحكتها أصبحت أقل.
أما أنا… فكنت أعود مرهقًا، وأهرب إلى هاتفي أو النوم بدل أن أواجه ما يحدث.
وفي إحدى الأمسيات، كنت جالسًا مع بعض زملاء العمل في مطعم فاخر، عندما ضحك أحدهم وقال:

— بصراحة يا أدهم، مراتك لازم تبقى مبسوطة. إنت بتتعب علشانهم ملك.
ضحك آخر: — الستات ما بيعجبهاش حاجة. حتى لو جبتلها القمر هتقولك فين النجوم.
ضحكت معهم.
ضحكة قصيرة وعابرة.
لكنني لم ألاحظ أن هاتفي كان مفتوحًا… وأن ياسمين سمعت الجملة الأخيرة كاملة أثناء الاتصال.
عندما عدت إلى البيت، وجدتها جالسة في الصالة بهدوء غريب.
قالت: — الستات ما بيعجبهاش حاجة؟
تجمدت.
نسيت المكالمة المفتوحة تمامًا.
جلست ببطء: — ياسمين…
قاطعتني: — إنت بجد بقيت شايفني كده؟
قلت بسرعة: — لا طبعًا… ده هزار.
ضحكت ضحكة موجوعة:

— نفس البداية يا أدهم.
سكت.
قالت وهي تنظر في عيني: — زمان سمعت كلام صحابك وشكيت فيا. ودلوقتي بتسمع كلامهم تاني وبتقنع نفسك إننا عبء على نجاحك.
صرخت بعصبية دفاعية: — ماحدش قال كده!
قالت بهدوء: — بس أفعالك قالت.
الصمت وقع بيننا ثقيلًا.
ثم قالت جملة لن أنساها طول عمري: — النجاح اللي يخليك ترجع غريب لبيتك… مش نجاح.
وتركتني ودخلت غرفتها.
في اليوم التالي، حاولت أتصرف كأن شيئًا لم يحدث.
ذهبت للعمل.
حضرت الاجتماعات.
ضحكت مع الزملاء.

لكن طوال الوقت، كانت صورة الدائرة الفارغة في رسمة زينب تطاردني.
عدت مبكرًا على غير عادتي.
دخلت البيت بهدوء.
فسمعت صوت ياسمين في غرفة زينب.
كانت تحكي لها قصة قبل النوم.
وقفت خلف الباب أسمع.
كانت تقول: — وكان فيه بابا بيشتغل كتير جدًا علشان بنته تعيش مبسوطة… بس نسي إن البنت كانت محتاجة تشوفه أكتر ما تحتاج الهدايا.
زينب سألت بصوتها الصغير: — وبعدين؟
سكتت ياسمين لحظة.
ثم قالت: — وبعدين البابا فهم متأخر شوية… بس الحمد لله إنه فهم.
شعرت كأن أحدهم ضربني بقوة.

هي ما زالت تؤمن أنني سأفهم.
حتى الآن.
دخلت الغرفة ببطء.
ياسمين رفعت عينها نحوي.
أما زينب فصرخت بفرح: — بابا!
جريت عليّ وحضنت رجلي.
شلتها بسرعة ودفنت وجهي في رقبتها الصغيرة.
ثم نظرت إلى ياسمين وقلت بصوت منخفض: — ممكن نتكلم؟
بعدما نامت زينب، جلسنا في البلكونة.
نفس البلكونة التي حلمنا فيها بحياتنا أول الزواج.
لكننا هذه المرة كنا أبعد.
قلت أخيرًا: — أنا آسف.
لم ترد.
أكملت: — يمكن كنت فاكر إني بعوضكم بالشغل والفلوس. يمكن كنت بخدع نفسي.
قالت بهدوء:

— أنا مقدرة تعبك يا أدهم. والله مقدراه. بس أنا مش عايزة بنتنا تكبر وهي حاسة إن باباها ضيف بيعدي علينا آخر اليوم.
دموعي لمعت رغمًا عني.
قلت: — أنا خوفت.
نظرت لي باستغراب: — من إيه؟
ضحكت بمرارة: — من إني أرجع فقير تاني. من إني أعجز أو أقصر. من إني ماقدرش أوفرلكم حياة كويسة.
تغيرت ملامحها فورًا.
اقتربت مني وقالت: — وإحنا عمرنا طلبنا منك تبقى خارق يا أدهم. إحنا بس طلبناك إنت.
في تلك اللحظة فهمت شيئًا مهمًا جدًا.
أنا كنت أعيش طول عمري وكأن الحب يحتاج إثباتًا دائمًا.

زمان اختبرت ياسمين بالفقر.
ودلوقتي كنت أختبرها بالإهمال دون أن أشعر.
كأنني أقول: إذا كانت تحبني فعلًا… ستتحمل غيابي.
لكن الحب ليس اختبار احتمال.
الحب مشاركة.
حضرت يدها بين يدي وقلت: — أنا مش عايز أخسر البيت اللي بنيناه.
قالت بابتسامة متعبة: — يبقى ارجع له قبل ما يضيع منك.
في اليوم التالي، فعلت شيئًا لم أتوقع يومًا أن أفعله.
دخلت مكتب المدير الإقليمي… ورفضت الترقية.
الرجل نظر لي كأنني مجنون.
قال: — إنت فاهم إن الفرصة دي ممكن ما تتكررش؟
ابتسمت لأول مرة براحة حقيقية: — بعض الحاجات أهم.

خرجت من المكتب وأنا أشعر بخفة غريبة.
كأنني كنت أجري طوال عمري… ونسيـت لماذا أجري أصلًا.
عدت البيت في الثالثة عصرًا.
فتحت الباب.
فوجدت ياسمين واقفة في المطبخ تقطع الخضار، وزينب ترسم على الأرض.
أول ما شافتني، عقدت حاجبيها: — نسيت حاجة؟
ضحكت: — أيوه. نسيت حياتي هنا.
لم تفهم في البداية.
لكن عندما أخبرتها بما فعلت… دمعت عيناها فورًا.
قالت بخوف: — عملت كده عشاني؟
هززت رأسي: — علشاننا.
في تلك الليلة، لأول مرة منذ شهور، أكلنا معًا دون استعجال.
ضحكنا.
لعبت مع زينب.

وشربت الشاي مع أمي في الحديقة.
وفي لحظة هدوء، نظرت إلى البيت حولي.
إلى أمي وهي تضحك.
إلى ياسمين وهي تسند رأسها على كتفي.
إلى زينب النائمة في حضن جدتها.
وأدركت أخيرًا أن الرجل لا يصبح ناجحًا عندما يملك المال الكافي ليعيش.
الرجل يصبح ناجحًا… عندما لا يخسر الناس الذين كان يجمع المال لأجلهم أصلًا.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!