
الفصل السادس اختفت المرسيدس. الجملة نزلت على رأسي كأن أحدهم ضــ,,ـــــربني بقطعة حديد. السيارة التي تركتها في موقف السيارات قبل ساعات، والتي ظننت أنها مجرد وسيلة للهروب من مراقبة فؤاد، كانت في الحقيقة تحمل الدليل الأصلي. الدليل الذي قالت السيدة ليلى إنه أهم من الدفتر الأسود. وقفت وسط المقابــ,,ـــــبر، والدفتر الأسود في يد المحامي، ونور تبكي بجانب قبــ,,ـــــر أبيها، وناهد جالسة على الأرض كأنها فقدت آخر ما بقي لها من قوة. أما أنا، فكنت أحاول أن أرتب الفوضى داخل رأسي.
الرسالة الأولى كانت في درج التابلوه. الملف كان في صندوق البنك. النسخة كانت تحت القبــ,,ـــــر. والأصل في السيارة. السيدة ليلى لم تكن تترك شيئًا للصدفة. كل خطوة كانت محسوبة. لكن سامر العتال سبقنا. أو ظن أنه سبقنا. المقدم شريف أغلق هاتفه وقال بصرامة: “لازم نعرف العربية خرجت من الموقف إزاي. مين استلمها؟ وإمتى؟” قلت بسرعة: “أنا ركنتها في الدور الثالث. مفتاحها كان معايا.” ثم أدخلت يدي في جيبي. تجمدت. المفتاح لم يكن موجودًا. فتشت الجيب الآخر.
لا شيء. فتشت القميص. البنطال. كأن المفتاح تبخر. شعرت بأنفاسي تضيق. “المفتاح مش معايا.” نظر الجميع إليّ. المقدم شريف اقترب. “إمتى آخر مرة شفته؟” حاولت التذكر. بعد أن دخلت البنك؟ عندما قابلت نور؟ عندما ركبت التاكسي؟ عندما دخلنا المخزن؟ ثم تذكرت لحظة واحدة. عندما كنت أفك الحبل عن يد السيدة ليلى في المخزن، صدمت كتفي ناهد وهي تبكي وتزحف على الأرض. وقتها لم أهتم. كان المكان في فوضى. قلت ببطء وأنا أنظر إلى ناهد: “إنتِ خدتي المفتاح.”
رفعت ناهد وجهها بذعر. “لا… والله لا.” قلت وأنا أقترب منها: “إنتِ كنتِ جنبي في المخزن. لمستيني. المفتاح اختفى بعدها.” بدأت تهز رأسها بسرعة. “ماخدتوش. أقسم بالله ماخدتوش. أنا كنت مرعوبة. كنت عايزة أهرب بس.” المقدم شريف قال ببرود: “فتشوها.” فتشتها شرطية كانت مع القوة، فلم تجد شيئًا. ناهد بكت أكثر. “أنا مش معاهم خلاص. صدقوني. سامر لو لقاني هي.ني.” نور صرخت فيها: “وإحنا نصدقك إزاي؟” ناهد نظرت إليها بعينين محمرتين. “ما تصدقونيش. بس أنا لو كنت عايزة أخونكم، ما كنتش جيت المقابــ,,ـــــبر.”
كان كلامها منطقيًا. لكن المنطق لم يعد يكفي. فجأة قال المحامي محمود الجندي: “ربما المفتاح لم يُسرق في المخزن.” التفتنا إليه. قال: “حسن ترك السيارة في موقف. من الممكن نسخ المفتاح قبل ذلك.” قلت: “إزاي؟” قال: “السيدة ليلى كانت تعرف أن السيارة مهمة. ومن يعرف أنها مهمة، ربما حاول الوصول لها من زمان.” تذكرت السائق الجديد. الرجل الذي قالت نور إن فؤاد أحضره بعد اتهامي بالسرقة. قلت: “السواق المؤقت.” نور رفعت رأسها. “فؤاد قال إنه جابه الصبح.”
سألها المقدم: “تعرفي اسمه؟” “قال اسمه مدحت.” ناهد رفعت رأسها فجأة. “مدحت مش سواق.” نظرنا إليها. قالت بصوت مرتجف: “مدحت ده كان شغال مع سامر. بيفتح عربيات. وبيطلع نسخ مفاتيح. شفته قبل كده في المخزن.” المقدم شريف لم ينتظر. أصدـ,,ـــر أوامر فورية للبحث عن مدحت، ومراجعة كاميرات موقف السيارات، وتعميم أوصاف السيارة. لكنني كنت أعرف أن الوقت يهرب. سامر قال حتى المغرب. والسيارة اختفت. والدليل الأصلي قد يكون في يده بالفعل. ركبنا سيارات الشرطة واتجهنا إلى موقف السيارات الذي تركت فيه المرسيدس.
طوال الطريق، كان الصمت يملأ السيارة. نور جلست بجانبي، وجهها شاحب، وعيناها ثابتتان على الدفتر الأسود. قالت بصوت منخفض: “أمي كانت بتثق فيك أكتر مننا.” لم أعرف هل كانت تلومني أم تلوم نفسها. قلت: “هي وثقت فيكي كمان. قالت لي أدور عليكي.” هزت رأسها بحزن. “بس أنا كنت بعيدة. كنت فاكرة إنها قوية ومش محتاجة حد. كنت بزورها وأمشي وأنا مطمنة إنها في قصر كبير وعندها خدم وحراس. ما كنتش فاهمة إن القصر كان سجــ,,ـــــن.”
نظرت إلى الطريق. كنت أفهم كلامها أكثر مما تتصور. أحيانًا نظن أن المال يحمي. ثم نكتشف أن المال قد يجلب وحوشًا أكثر. وصلنا إلى موقف السيارات. كان المدير مرتبكًا بشدة بعد وصول الشرطة. راجعوا الكاميرات. وقفنا جميعًا أمام شاشة صغيرة في غرفة الأمن. ظهرَت المرسيدس في التسجيل. ساكنة في مكانها. ثم بعد ساعة تقريبًا ظهر رجل يرتدي كابًا أسود وكمامة. اقترب من السيارة بثقة. فتحها كأنها سيارته. ثم ركب وقادها إلى الخارج. لم يستغرق الأمر أكثر من دقيقة.
المقدم شريف قال: “قرّب الصورة.” قرّب رجل الأمن اللقطة. لم يظهر وجهه بوضوح. لكن يده ظهرت على عجلة القيادة. وكان هناك خاتم أسود كبير في إصبعه. قلت فورًا: “سامر.” المحامي همس: “بنفسه.” كان هذا سيئًا. إذا كان سامر حضر بنفسه، فهذا يعني أن السيارة تهمه فعلًا. قال المقدم: “الكاميرات الخارجية؟” عرضوا تسجيل الخروج. المرسيدس خرجت إلى الشارع الرئيسي، ثم اختفت في الزحام. بعدها بدقائق ظهرت سيارة رمادية تتبعها. ناهد قالت: “دي عربية سامر الثانية.” المقدم سجل الرقم، لكن اللوحة كانت مغطاة بطين متعمد.
كل شيء كان مخططًا. لكن في لحظة، لاحظت شيئًا صغيرًا. عندما فتح سامر باب المرسيدس، لم يتجه إلى درج التابلوه. ولم يبحث تحت المقاعد. بل مد يده مباشرة إلى زر صغير قرب فتحة التكييف. قلت بسرعة: “رجع الفيديو.” أعاد رجل الأمن اللقطة. نظرت جيدًا. سامر ضغط على مكان محدد بجوار لوحة القيادة. ثم انحنى للحظة. قال المحامي: “يبدو أنه يعرف مكان المخبأ.” لكنني هززت رأسي. “لا. لو كان عارف، كان أخده ومشي. هو ضغط حاجة… يمكن فتح مكان، أو شغل جهاز.”
المقدم التفت لي: “إنت سقت العربية شهور. تعرف الزر ده؟” قلت: “لا. عمري ما استخدمته.” نور اقتربت من الشاشة. “دي مش أزرار المصنع.” كانت محقة. الزر كان صغيرًا جدًا، مخفيًا داخل قطعة زخرفية. قالت نور: “بابا كان مهووسًا بتعديل العربيات. ممكن يكون عامل مكان سري.” سألتها: “مين كان يعرف؟” قالت: “أمي… وفؤاد يمكن… وسامر لو عرف من ناهد أو فؤاد.” ناهد هزت رأسها. “فؤاد كان بيدور على حاجة في العربية من أسبوعين. سمعته بيقول لسامر: العجوزة مخبية حاجة في المرسيدس.”
المقدم قال: “ولماذا لم يأخذوها وقتها؟” ناهد أجابت: “لأنها كانت دايمًا مع حسن أو في جراج الفيلا تحت كاميرات. وفؤاد كان خايف أمه تلاحظ.” شعرت بثقل جديد. السيدة ليلى أعطتني السيارة عمدًا. عندما اتهمتني، طلبت مني أن آخذها إلى الميكانيكي. لم تكن تطردني فقط. كانت تخرج السيارة من الفيلا، بعيدًا عن عيون أبنائها. كانت تريدني أن أصل إلى الرسالة، ثم إلى الدليل. لكن سامر سبقنا عندما تركتها. خطئي. لو كنت فتشت السيارة وقتها. لو لم أتركها في الموقف.
لكن المحامي قال كأنه قرأ وجهي: “لا تلُم نفسك. أنت تصرفت بما تعرفه وقتها.” قلت بمرارة: “وهو دلوقتي معاه الأصل.” المقدم شريف قال: “ليس بالضرورة. لو كان معاه، ما كانش هيكلمنا ويهددنا حتى المغرب. يمكن لم يجد ما يريد.” هذه الجملة أعادت شيئًا من الأمل. ربما الزر لم يفتح المخبأ. ربما هناك رمز. ربما السيدة ليلى كانت أذكى منه. طلب المقدم تعميمًا عاجلًا على السيارة، لكننا جميعًا كنا نعرف أن سامر يستطيع تغيير لوحاتها أو إخفاءها خلال دقائق.
في تلك اللحظة رن هاتف ناهد. نظرت إليه برعب. كان سامر مجددًا. المقدم أشار لها بالرد. فتحت المكالمة على مكبر الصوت. جاء صوت سامر هادئًا، كأن شيئًا لم يحدث. “واضح إنكم بتحبوا تلفوا كتير.” المقدم شريف أشار لفريقه بتتبع المكالمة. ناهد قالت بصوت مرتجف: “سامر… كفاية.” ضحك. “كفاية؟ إنتِ لسه فاكرة إن ليكي حق تطلبي؟” قالت: “أختي ماتت بسببك.” صمت لحظة. ثم قال ببرود: “أختك ماتت لأنها تدخلت في حاجة أكبر منها.” نور شهقت بغضب.
أما أنا فشعرت أن يدي تنقبــ,,ـــــض. سامر أكمل: “حسن موجود؟” لم أرد. قال: “عارف إنك سامع. المرسيدس معايا. بس أمانة أقولك… الست العجوزة طلعت أذكى من الكل. المخبأ مقفول.” قلبي دق. إذن لم يصل للدليل. تابع: “وعلشان كده أنا محتاج منك حاجة بسيطة.” المقدم كتب على ورقة: لا تتكلم. لكن سامر قال: “محتاج السواق اللي كان معاها كل يوم. أكيد سمعت كلمة. رقم. ذكرى. أي حاجة تفتح القفل.” لم أجب. ضحك سامر. “ماشي. خليك بطل. بس قبل المغرب، هتكلمني بنفسك.”
انقطعت المكالمة. قال أحد الضباط: “المكالمة قصيرة جدًا. لم نحدد الموقع بدقة. لكنها قرب منطقة صناعية على طريق السويس.” ناهد قالت فورًا: “عنده ورشة قديمة هناك. كان بيستخدمها لتفكيك العربيات.” المقدم قال: “العنوان.” أعطته ناهد وصفًا. لكنها أضافت: “هيكون مجهز. سامر عمره ما يستنى في مكان من غير مخرج.” المقدم بدأ يرتب تحركًا أمنيًا. أما أنا فجلست على كرسي بلاستيكي في غرفة الأمن، أحاول التفكير. كلمة. رقم. ذكرى. ما الذي يمكن أن يفتح مخبأً في سيارة السيدة ليلى؟
تذكرت كل مشاويرنا. المستشفى. الجمعيات الخيرية. المقابــ,,ـــــبر. القهوة في الفيلا. أسئلتها عن أولادي. حكاياتها عن زوجها. كانت تتحدث كثيرًا عن الراحل، عبد العزيز المنشاوي. كانت تقول إن حياتها معه بدأت من سيارة. أول هدية أهداها لها. مرسيدس قديمة بلون كحلي. وكان يقول لها دائمًا: “العربية مش حديد يا ليلى، العربية ذاكرة.” ذاكرة. شعرت بشيء يتحرك في رأسي. في إحدى المرات، ونحن عائدون من المقابــ,,ـــــبر، قالت لي: “عارف يا حسن، عبد العزيز كان عنده عادة غريبة. أي سر مهم لازم يربطه بتاريخ جميل، علشان ما ينساهوش.”
سألتها وقتها ضاحكًا: “يعني الباسوردات عنده كانت أعياد ميلاد؟” ضحكت وقالت: “لا. كان أذكى من كده. كان يختار تاريخ يوم أنقذ فيه حاجة.” يوم أنقذ فيه حاجة. ما اليوم الذي أنقذ فيه شيئًا؟ نظرت إلى نور. “والدك أنقذ والدتك من حاجة قبل كده؟” تفاجأت بالسؤال. “إيه؟” “هل في تاريخ مهم بينهم؟ دــ,,ـــــادثة؟ يوم اتقابلوا؟ يوم أنقذها؟” فكرت نور. “ماما كانت دايمًا تحكي إنه أنقذها من دــ,,ـــــادثة عربية وهي صغيرة. بس مش عارفة التاريخ.” ناهد رفعت رأسها.
“أنا أعرف.” التفتنا إليها. قالت: “الست ليلى كانت بتقول كل سنة يوم 17 أكتوبر: ده اليوم اللي ربنا كتب لي فيه عمر جديد.” نور قالت: “صح… كانت بتجيب ورد أبيض في اليوم ده كمان.” 17 أكتوبر. كتبت الرقم في ذهني. لكن هل هذا يكفي؟ ربما المخبأ يحتاج أربعة أرقام. وربما ستة. تذكرت جملة الممرضة: اسأل حسن عن الورد الأبيض. الورد الأبيض لم يكن فقط عند القبــ,,ـــــر. السيدة ليلى كانت تضعه كل جمعة. لكن 17 أكتوبر كان يوم عمر جديد.
قلت: “ممكن الرمز 1710.” المقدم قال: “هنعرف لما نلاقي العربية.” تحركنا فورًا نحو الورشة القديمة. هذه المرة لم يسمحوا لي ولا لنور بالتقدم. لكنني رفضت البقاء بعيدًا. قلت للمقدم: “لو العربية محتاجة رمز، أنا لازم أكون موجود.” قال:
