
بعتُ عربيتي واشتغلت ليل نهار عشان أوفّر مصاريف تعليم بنتي… لكن مكالمة من مكتب عميد الكلية قبل تخرجها بأيام خلّتني عاجزة عن الكلام.
سابنا جوزي لما كانت “جنى” عندها خمس سنين.
ماكانش فيه خناقة كبيرة… ولا صوت عالي… ولا حتى تحذير.
مجرد قعدة هادية على ترابيزة المطبخ، وبعدها تاني يوم الصبح لقيت شنطته جنب الباب ومشي.
ومن يومها… بقينا أنا وهي بس.
كنت بشتغل الصبح في مكتب صغير وسط البلد، وبالليل آخد أي شغلانة تجيب فلوس… تنظيف… ترتيب بضاعة… جرد مخازن… أي حاجة.
وكل ليلة كنت أقول لنفسي: “مؤقت… بس لحد ما نقف على رجلينا.”
لكن الحقيقة؟ مافيش حاجة كانت بتبقى أسهل.
رغم كده… جنى كبرت.
كبرت بطريقة تخليك تنسى تعب الدنيا كلها.
بنت هادية… ذكية… عمرها ما احتاجت حد يفكرها بواجباتها… ولا اشتكت إننا أقل من غيرنا.
كانت تشكرني على أبسط حاجة… حتى الحاجات اللي المفروض من حقها.
ولما دخلت الجامعة، ابتسمت لي وقالت: — هنعدّيها يا ماما… زي كل مرة.
ابتسمت لها وقتها…
لكن اللي ماكنتش تعرفه إني أصلًا ماكنتش عارفة إزاي.
عشان كده… بعت عربيتي.
وبقيت أركب مواصلات بالساعات… وأوقات أمشي مسافات طويلة لما الفلوس تخلص.
وزودت الشغل الليلي.
في أسابيع كاملة…
كنت بنام ساعتين أو تلاتة بالعافية.
أرجع البيت الفجر… ألحق دش سريع… وأخرج تاني.
لكن جنى؟ ولا مرة اشتكت.
كانت بتذاكر لحد الصبح… وتشتغل شيفتات بعد المحاضرات… وتحارب بطريقتها.
وكل مرة أحس إني خلاص مش قادرة أكمل… كنت أبص لها وأفتكر: “كل ده عشان مستقبلها.”
أربع سنين عدّوا بالشكل ده.
وفجأة… بقى فاضل أيام على التخرج.
فاكرة الليلة دي كويس…
كنت قاعدة على ترابيزة المطبخ، حواليا الفواتير، وبحسب إزاي هدفع آخر دفعة مطلوبة للجامعة.
وفجأة… موبايلي رن.
رقم غريب.
كدت ما أردش.
لكن قلبي اتقبض بطريقة خلتني أرد فورًا.
— ألو؟
فضل الطرف التاني ساكت ثواني…
وبعدين صوت رسمي قال: — حضرتك والدة جنى؟
قلبي وقع.
— أيوه… في حاجة؟
الصوت رد بهدوء: — مع حضرتك مكتب عميد الجامعة… والأمر عاجل بخصوص الآنسة جنى.
في اللحظة دي… حسّيت إن الدنيا اسودّت قدامي.
إيدي بدأت ترتعش.
كل الأفكار الوحشة هجمت عليّا مرة واحدة.
يا ترى تعبت؟ حصلها حادث؟ اتطردت؟ سقطت؟
بلعت ريقي بالعافية وقلت: — ج… جنى مالها؟
جالي الرد اللي حبّس نفسي تمامًا:
— ممكن حضرتك تيجي الجامعة بكرة الصبح؟ العميد بنفسه عايز يقابلك.
ما نمتش الليلة دي.
فضلت قاعدة على الكنبة أبص للسقف وأحاول أقنع نفسي إن الموضوع بسيط… لكن قلبي كان بيقول غير كده.
تاني يوم روحت الجامعة بدري.
الطلبة كانوا بيضحكوا ويلبسوا روب التخرج… وأهاليهم بيصوروا معاهم.
أما أنا… كنت داخلة برجلي التقيلة وكأني رايحة أسمع حكم.
وصلت مكتب العميد.
السكرتيرة ابتسمت وقالت: — اتفضلي… مستني حضرتك.
دخلت وأنا متوترة.
لقيت العميد واقف… وجنى قاعدة قدامه وعينيها مليانة دموع.
أول ما شافتني قامت بسرعة. — ماما…
قلبي وجعني فورًا. — في إيه يا بنتي؟
بصلي العميد… وبعدها ابتسم ابتسامة هادية وقال:
— قبل أي حاجة… أحب أقولك إن بنتك من أفضل الطلبة اللي مرّوا على الجامعة دي.
ما فهمتش.
بصيت لجنى وهي بتمسح دموعها.
كمل العميد: — جنى ماقالتش لحد ظروفكم… لكن إحنا عرفنا بالصدفة إنها كانت بتشتغل بعد المحاضرات وتتفوق رغم كل الضغوط.
سكت ثانية… ثم فتح ملف قدامه.
— الجامعة قررت تمنح الآنسة جنى منحة كاملة للدراسات العليا… وكمان رجّعنا كل الرسوم اللي اتدفعت آخر سنة.
ما استوعبتش الكلام.
بصيت له بعدم تصديق. — يعني… إيه؟
ابتسم وقال: — يعني حضرتك مش هتدفعي أي جنيه تاني… والشيك ده باسمك.
مدّ ظرف أبيض ناحيتي.
إيدي كانت بترتعش وأنا بفتحه.
المبلغ كان أكبر من أي رقم شوفته في حياتي.
حسّيت نفسي بدوخ.
وجنى انفجرت في العياط وهي حضنتني بقوة.
لايـك وسيبلـي كومنـت وهـرد عليكـم باللينكـ بعـد شـوية وقـت صـغيرين
حضنتني جنى وقتها كأنها خايفة أصحى من حلم جميل. أما أنا… فكنت واقفة مش قادرة أستوعب أي حاجة. كل التعب اللي عدى في السنين اللي فاتت مرّ قدام عيني في ثانية واحدة… مواصلات الفجر… رجلي اللي كانت بتوجعني من المشي… الأيام اللي كنت أنام فيها على الكنبة من التعب قبل حتى ما أبدل هدومي… اللحظات اللي كنت أخبي فيها دموعي عنها علشان ما تخافش.
العميد ابتسم وهو بيبصلنا وقال: — في ناس كتير بتدخل الجامعة بشهادات… لكن قليل اللي يدخلوا بأخلاق وكفاح زي بنتك.
جنى كانت بتعيط أكتر.
أما أنا فكنت حاسة إن قلبي مش قادر يشيل كل المشاعر دي مرة واحدة.
خرجنا من المكتب وأنا ماسكة الظرف الأبيض بإيدي كأني خايفة يختفي.
برا… الطلبة كانوا لسه بيصوروا ويتضحكوا.
وفجأة جنى وقفت وسط الحرم الجامعي وقالت: — ماما… إحنا عملناها.
الجملة كسرتني.
حضنتها وسط الناس كلها وعيطت للمرة الأولى من سنين من غير ما أحاول أكون قوية.
لأني تعبت.
تعبت بجد.
وفي اللحظة دي بس… حسيت إن ربنا أخيرًا بعتلي نفس طويل بعد سنين غرق.
رجعنا البيت يومها وإحنا ساكتين أغلب الطريق.
مش علشان مفيش كلام…
لكن علشان في مشاعر أكبر من الكلام.
أول ما دخلنا الشقة الصغيرة، جنى بصت حواليها فجأة بطريقة مختلفة.
الشقة اللي عشنا فيها سنين كانت ضيقة جدًا… الحيطة جنب السفرة فيها شرخ قديم، والكنبة اللي بننام عليها أوقات كانت مهلوكة، والمطبخ الصغير ريحته دايمًا قهوة وشاي من كتر السهر.
لكن لأول مرة… حسيت إن المكان دافي.
يمكن علشان الخوف اللي كان ساكنه خلاص بدأ يخف.
جنى دخلت أوضتها ورجعت بعد شوية شايلة صندوق قديم.
حطته قدامي على الترابيزة.
قلت باستغراب: — إيه ده؟
ابتسمت وسط دموعها: — افتحيه.
فتحته ببطء.
ولقيت جواه عشرات الأوراق الصغيرة.
قصاصات.
مكتوب على كل واحدة تاريخ.
بصيت لها بعدم فهم.
قالت وهي تضحك بدموع: — دي كل مرة كنتِ بتقولي فيها إنك تعبانة… وكنتِ تفتكري إني نايمة.
قلبي وجعني.
مسكت أول ورقة.
“٢١ أكتوبر… ماما رجعت الساعة ٤ الفجر وكانت رجليها بتترعش من التعب.”
ورقة تانية: “١٣ يناير… سمعتها بتعيط في الحمام بعد ما دفعت المصاريف.”
ورقة تالتة: “يوم ما باعت العربية… قالتلي إنها مش بتحب السواقة أصلًا علشان ما أزعلش.”
وقفت قراية.
مش قادرة أكمل.
دموعي نزلت غصب عني.
بصيت لها وأنا مخنوقة: — كنتِ عارفة؟
هزت راسها بابتسامة حزينة: — كنتِ فاكرة إنك بتخبّي عليا… بس أنا كنت شايفة كل حاجة يا ماما.
سكتت لحظة.
ثم قالت بهدوء: — علشان كده كنت لازم أنجح.
حضنتها تاني وأنا حاسة إن قلبي بيتفتت من الحب والخوف والفخر مع بعض.
لكن اللي ما كنتش أعرفه… إن المفاجآت لسه ما خلصتش.
بعد التخرج بأسبوعين، الجامعة عملت حفل تكريم للطلبة المتفوقين.
جنى كانت متوترة جدًا وهي بتلبس روب التخرج.
وقفت قدام المراية وقالت: — معقول كل ده خلص؟
ابتسمت وأنا أعدل لها الطرحة:
— لا يا حبيبتي… ده كله لسه بيبدأ.
بصتلي في المراية فجأة وقالت: — نفسي بابا يشوفني دلوقتي.
الجملة نزلت عليا ببرود مفاجئ.
أبوها.
الاسم اللي بقينا نذكره قليل جدًا.
بعد ما مشي، حاول أول سنة يتصل كام مرة… وبعدها اختفى بالتدريج.
نفقة قليلة تتبعت شهر وتختفي تلاتة.
وعود كتير.
“هشوفكم قريب.”
“هعوضكم.”
“سامحيني يا جنى.”
لكن السنين عدت… وما جاش.
وفي النهاية بطّل حتى يحاول.
بصيت لجنى بهدوء وقلت: — اللي يشوفك دلوقتي لازم يكون فخور… سواء موجود أو لأ.
هزت راسها وسكتت.
روحنا الحفل.
القاعة كانت مليانة أهالي.
ضحك وصور وزغاريد.
وأنا قاعدة في الصفوف الخلفية أبصلها وهي واقفة وسط زمايلها، حسيت إني شايفة عمري كله واقف هناك.
كل لحظة تعب.
كل مرة قلت “هستحمل يوم كمان.”
كل جنيه اتحسب.
كل وجع رجل.
كل خوف من بكرة.
واقف قدامي لابس روب التخرج وبيبتسم.
وفجأة المذيع نادى اسمها.
— الطالبة جنى سامح… الأولى على دفعتها.
الناس سقفت بقوة.
أما أنا… فحسيت نفسي مش قادرة أتنفس.
طلعت المسرح وسط التصفيق.
ثم حصل شيء ما كنتش متوقعاه أبدًا.
جنى مسكت الميكروفون وقالت:
— ممكن أقول حاجة صغيرة؟
القاعة هديت.
بصت ناحيتي مباشرة.
وقالت: — الناس كلها النهارده بتقول إني نجحت علشان تعبت… بس الحقيقة إن النجاح ده مش بتاعي لوحدي.
صوتها بدأ يترعش.
— أمي اشتغلت أكتر من أي حد أعرفه… نامت ساعات أقل من أي إنسان شوفته… وباعت كل حاجة تملكها علشان أتعلم.
بدأت أحس الناس كلها بتبصلي.
أما هي فكملت: — وأنا صغيرة كنت فاكرة إن الأبطال موجودين في الأفلام… بس طلع البطل الحقيقي ممكن يبقى ست راجعة الفجر من الشغل ولسه بتسأل بنتها أكلت ولا لأ.
القاعة كلها سكتت.
وجنى كانت بتعيط وهي تبتسم.
— أمي… النجاح ده بتاعك إنتِ.
انفجرت القاعة تصفيق.
أما أنا… فما قدرتش أمنع دموعي.
الناس اللي حواليا بدأت تسقفلي وأنا قاعدة مكاني مصدومة.
واحدة ست كبيرة جنبي مسكت إيدي وقالت: — ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي.
ولأول مرة من سنين طويلة… حسيت إن تعبي كان مرئي.
مش مستخبي.
بعد الحفل، ناس كتير جم يسلموا علينا.
دكاترة.
أهالي.
طلبة.
كلهم بيقولوا نفس الحاجة: — واضح إنك ربيتيها صح.
لكن وسط الزحمة دي كلها… لمحت شخص واقف بعيد.
اتجمدت مكاني فورًا.
سامح.
أبو جنى.
واقف عند الباب.
شعره بقى أبيض أكتر، ووشه مرهق، لكنه هو.
جنى شافته بعد ثواني.
ابتسامتها اختفت فجأة.
ساد صمت غريب بينا.
هو قرب ببطء وقال: — ألف مبروك.
جنى ردت بهدوء بارد: — الله يبارك فيك.
أما أنا فما اتكلمتش.
كان في ألف كلمة جوايا… لكن ولا واحدة طلعت.
بص حواليه بتوتر، وبعدها قال: — تابعت أخبارها من بعيد… وعرفت إنها نجحت.
ضحكت جنى ضحكة صغيرة موجوعة: — من بعيد فعلًا.
وشه انكسر.
وقال: — أنا عارف إني غلطت.
لأول مرة من سنين، حسيت إنه عجوز فعلًا.
مش الراجل اللي سابنا ومشي.
مجرد إنسان خسر كل حاجة بإيده.
بص لجنى وقال: — كنت عايز أحضر التخرج… حتى لو من بعيد.
سكتت.
أما أنا فقلت بهدوء: — حضرت وشفت.
هز راسه بأسى.
ثم طلع ظرف صغير من جيبه ومده لجنى. — ده ليكي.
بصتله من غير ما تاخده. — إيه ده؟
قال بصوت مكسور: — فلوس… بسيطة… عارف إنها ما تعوضش حاجة.
جنى بصت للظرف ثواني طويلة.
ثم رجعته له بهدوء.
وقالت الجملة اللي خلتني أحبس نفسي:
— أنا كنت محتاجة أب… مش فلوس.
سامح اتجمد مكانه.
والكلمة نزلت عليه كأنها حكم.
فضل واقف ثواني مش عارف يرد.
ثم هز راسه ببطء وقال: — عندك حق.
ولف يمشي.
لكن قبل ما يخرج، وقف فجأة وبصلي أنا.
وقال: — شكرًا… إنك عملتي اللي أنا فشلت أعمله.
ولأول مرة… ما حسيتش نحيتُه غضب.
بس حزن.
حزن على راجل ضيع عمر كامل بإيده.
بعد ما مشي، جنى قعدت ساكتة فترة طويلة.
وفي العربية وهي راجعة، سألتها بهدوء: — إنتِ كويسة؟
بصت من الشباك وقالت: — أيوه… بس غريبة.
— غريبة إزاي؟
ابتسمت بحزن: — طول عمري كنت مستنية اليوم اللي أشوفه فيه وأعاتبه… لكن لما شوفته حسيت إنه خلاص بقى غريب.
سكتت شوية.
ثم مسكت إيدي وقالت: — بس إنتِ عمرك ما كنتِ غريبة.
الكلمة دي كانت كفاية تمحي تعب سنين.
مرت الشهور بعدها بسرعة.
جنى بدأت دراساتها العليا بالمنحة.
وأخيرًا… لأول مرة من سنين… بدأت أشتغل شغلانة واحدة بس.
أنام أكتر من أربع ساعات.
آكل من غير ما أحسب سعر كل لقمة.
وفي يوم، جنى رجعت البيت وهي بتضحك بطريقة غريبة.
قلت باستغراب: — مالك؟
طلعت مفتاح عربية من شنطتها وحطته قدامي.
اتجمدت.
— ده إيه؟
ابتسمت بفخر طفلة صغيرة: — أول مرتب من شغلي الجديد… ومعاه مقدم عربية بسيطة.
دموعي نزلت فورًا.
قلت بخضة: — إنتِ مجنونة؟ ليه تعملي كده؟
ضحكت وهي تحضني: — علشان مش كل مرة هنركب مواصلات ونمشي بالساعات يا ماما.
وفي اللحظة دي… افتكرت كل الطرق الطويلة اللي مشيتها لوحدي.
كل مرة رجعت فيها تعبانة.
كل مرة خوفت من المستقبل.
واكتشفت حاجة مهمة جدًا.
إن الحب الحقيقي أحيانًا… بيرجعلك كل اللي خسرته، بس بعد سنين طويلة من الصبر.
وفي أول مشوار بالعربية الجديدة، جنى كانت سايقة وأنا جنبها.
وفجأة قالت وهي مبتسمة: — فاكرة لما بعتي عربيتك عشاني؟
ضحكت بدموع: — أيوه.
قالت وهي تبص للطريق: — خلاص… دلوقتي دوري أنا أوصلك.
تمت


