Advertisements
Advertisements
منوعات

بيت احلامي حكـايـات أسمـا ×٣

Advertisements

الأيام بدأت تهدى شوية بعد رجوعي للقاهرة، لكن الهدوء اللي برا ماكانش شبه اللي جوايا. كنت كل ما أصحى الصبح في شقتي الجديدة، أبص للسقف وأفتكر إني أخيرًا في مكان محدش يقدر يطردني منه. مافيش حد هيخبط الباب يقولّي “الأوضة دي لحد أولى بيها”. مافيش حد هيبص لنجاحي كأنه واجب طبيعي لازم أقدمه من غير حتى كلمة شكر. ومع ذلك… الوجع ما اختفاش بسرعة. فيه خيبات بتقعد جوه الواحد سنين حتى بعد ما يبعد عنها.

يوسف ابن كريم بقى ييجي يقعد عندي كل كام يوم. الطفل كان متعلق بيا بشكل غريب. يمكن علشان كنت الوحيدة اللي تسمعه فعلًا. مرة كنا قاعدين نرسم على الأرض، وفجأة سألني: — طنط… ليه بابا كان زعلان لما إنتِ مشيتي؟ بصيتله شوية. ثم قلت: — علشان ساعات الناس بتعرف قيمة الحاجة بعد ما تخاف تخسرها. هز راسه كأنه فهم. ثم قال بمنتهى البراءة: — بس أنا كنت عارف قيمتك من الأول. الجملة دخلت قلبي بشكل موجع ولطيف في نفس الوقت.

حضنته وبوسته من راسه. وفكرت إن الغريب… إن أكتر حد حس بيا في البيت كله كان طفل صغير. أما كريم… فاتغير فعلًا. بقى يكلمني بهدوء. يحاول يصلح أي حاجة تتكسر بسرعة. وأحيانًا ييجي يقف قدام باب شقتي ومعاه أكلة من إيد أمي كأنهم بيحاولوا يقولوا “إحنا لسه عيلة” بطريقة غير مباشرة. لكن داليا؟ لا. كانت بتبصلي بنفس الغل. يمكن أكتر. وفي يوم، كنت راجعة من شغلي، لقيتها قاعدة في كافيه تحت البيت مستنياني. أول ما شافتني قالت: — محتاجة أتكلم معاكي.

قعدت قدامها بهدوء. وشها كان مرهق بشكل غريب. قالت من غير مقدمات: — إنتِ كرهتيني صح؟ ضحكت بخفة: — إنتِ فعلًا مستنية بعد اللي حصل أقولك بحبك؟ نزلت عينها. ثم قالت: — أنا كنت خايفة. استغربت: — خايفة من إيه؟ تنهدت. وقالت: — من يوم ما دخلت العيلة… وأنا حاسة إنك أحسن مني في كل حاجة. ناجحة… مستقلة… معاكي فلوس… والكل بيتكلم عنكِ بإعجاب. بصيتلها باستغراب حقيقي. كملت بسرعة: — وأنا؟ ست عادية… جوزي مرتبه بالعافية… وكل اللي أملكه البيت ده. فلما حسيت إنك ممكن ترجعي وتبقي أهم مني فيه… اتجننت.

الكلام صدمني. مش علشان برر اللي عملته. لكن علشان لأول مرة أفهم إن بعض الناس بيأذوا غيرهم من خوفهم… مش من قوتهم. قلت بهدوء: — بس خوفك مايدكيش الحق تكسري حد. الدموع لمعت في عينها. — عارفة. سكتنا شوية. ثم قالت: — أنا آسفة. ولأول مرة… حسيت إنها صادقة. مش لأن علاقتنا بقت جميلة فجأة. لكن لأن الأقنعة وقعت. وفي نفس الأسبوع… أبويا طلب يقابلني لوحدنا. اتقابلنا في مسجد صغير قريب من البيت القديم بعد صلاة المغرب. كان قاعد في الجنينة برا، ماسك سبحته ووشه مرهق.

قعدت جنبه من غير كلام. بعد شوية قال: — فاكرة أول عجلة جبتها لكِ؟ ابتسمت رغم نفسي. — الحمرا اللي وقعت بيها أول يوم؟ ضحك بخفة. ثم سكت. وقال: — إنتِ كنتِ أكتر واحدة شبهي يا مريم. لفيتله باستغراب. كمل: — عنيدة… وبتشيل فوق طاقتها… بس الفرق إنك أقوى مني. الجملة هزتني. لأن أبويا عمره ما اعترف بضعفه قبل كده. بص للأرض وقال: — أنا خفت من كلام الناس أكتر ما خفت على قلبك. الاعتراف كان صعب عليه بشكل واضح.

— طول عمري متربي إن الولد هو السند… وإن البنت مهما عملت هتمشي. بس لما مشيتي… اكتشفت إن البيت كله وقع رغم إن الولد موجود. الدموع حرقت عيني. لأول مرة… حاسّة إن أبويا بيشوفني فعلًا. قال بصوت مكسور: — سامحيني إني خليتك تحسي إنك غريبة في بيتك. الكلمة دي بالتحديد… “غريبة”… هي أكتر كلمة كانت بتوجعني. حطيت إيدي فوق إيده لأول مرة من شهور. وقلت: — أنا عمري ما كنت عايزة البيت يا بابا… أنا كنت عايزة أحس إني بنتك.

بكى. وأنا كمان. وفي اللحظة دي… حسيت إن فيه جرح قديم جدًا بدأ يقفل ببطء. بعدها بفترة قصيرة، شركتي بدأت تكبر. اشتغلت مع عملاء من الخليج من القاهرة، وبقى عندي فريق صغير. ولأول مرة… كنت ببني حاجة تخصني أنا. مش علشان حد. مش علشان أرضي حد. علشاني. وفي يوم، سارة قالتلي: — إنتِ متغيرة. ضحكت: — للأحسن ولا للأسوأ؟ قالت وهي بتشرب قهوتها: — بقيتي أهدى… زمان كنتِ دايمًا مستعدة تنقذي العالم كله حتى لو هتغرقي.

الجملة خلتني أفكر. وفهمت إنها عندها حق. أنا طول عمري كنت بربط قيمتي بقد إيه أدي الناس. فلما أخدت حقي لأول مرة… افتكرت إني بقيت أنانية. لكن الحقيقة؟ إني بقيت طبيعية. وفي ليلة شتا… أمي اتصلت بيا متأخر. صوتها كان مرعوب: — أبوكي وقع ومش قادر يتنفس! لبست بسرعة وجريت على الفيلا. أول ما دخلت، لقيت أبويا على الكنبة بيتألم وصدره بيطلع وينزل بعنف. كريم كان مرتبك. وداليا بتحاول تهديه. لكن الكل تايه. تحركت تلقائيًا. — اتصلوا بالإسعاف حالًا!

مسكت إيد أبويا. كان بيبصلي بخوف طفل صغير. وفي الطريق للمستشفى… فضل ماسك إيدي طول الوقت. أول ما استقرت حالته بعد ساعات، الدكتور قال إنها أزمة قلبية بسيطة بسبب الضغط والتوتر. أمي قعدت تعيط وتحمد ربنا. أما أنا… فكنت واقفة عند الشباك ببص للشارع. وفجأة حسيت بإيد على كتفي. أبويا. كان واقف بالعافية. وقال بصوت ضعيف: — أول اسم ناديت عليه وإحنا في العربية كان اسمك. الدموع لمعت في عيني. كمل: — واضح إن القلب عارف صاحبه حتى لو العقل غبي.

ضحكت وسط دموعي. ومن بعدها… حاجة كبيرة اتغيرت في البيت. مش الكمال. ولا المثالية. لكن بقى فيه اعتراف. بقيت لما أدخل الفيلا… أمي تقوم تحضني. أبويا يسألني أكلت ولا لأ. كريم يستشيرني قبل أي قرار. حتى داليا… بقت أهدى. يمكن علشان فهمت إني مش جاية أخد مكانها. وفي يوم جمعة، كنا قاعدين كلنا في الجنينة. ريحة الفل مالية المكان. ويوسف بيلعب بالكورة. فجأة أبويا قال قدام الكل: — الفيلا دي اتبنت بتعب مريم… وكل طوبة فيها شاهدة عليها.

الصمت نزل للحظة. ثم بصلي وقال: — وأنا فخور بيكي. الجملة دي… كنت مستنياها طول عمري. يمكن الناس كلها تسمع مدح. لكن فيه كلام لما يطلع من شخص معين… يعالج سنين كاملة من الوجع. ماقدرتش أتكلم. بس دموعي نزلت بصمت. أمي ابتسمت وهي بتمسح دموعها: — أهو أخيرًا عرف يقول كلمة عدلة. ضحكنا كلنا. حتى أنا. ولأول مرة من سنين… ضحكتي طلعت من قلبي فعلًا. بعدها بشهور، عملت حاجة ماكنتش متوقعاها أبدًا. رجعت أوضتي في الفيلا.

مش علشان أعيش فيها. لكن علشان أرجع حقي الرمزي. خليتها زي ما كنت بحلم زمان. مكتبة كبيرة. ستارة بيضا طويلة. وركن صغير للقهوة والقراءة. أمي دخلتها أول مرة وقالت: — دي أوضة أميرة. ابتسمت: — دي أوضة بنت البيت. الجملة خلتها تعيط فورًا. أما أنا… فكنت واقفة في نص الأوضة ببص للشمس وهي داخلة من الشباك. وافتكرت أول ليلة في المخزن. الريحة الرطبة. الضلمة. الإهانة. ثم بصيت حواليا دلوقتي. وفهمت حاجة مهمة جدًا: إن الإنسان لما يسكت على كسره مرة… الناس تتعود تكسره.

لكن أول مرة يقف ويدافع عن نفسه… يمكن يخسر ناس. بس يكسب نفسه. وفي ليلة هادية، كنت قاعدة في بلكونة شقتي، بشرب قهوتي وببص للنيل، لما موبايلي رن. رقم دولي. رديت باستغراب. — ألو؟ صوت شركة إماراتية كبيرة كنت مقدمة فيها زمان قال: — أستاذة مريم، إحنا عايزينك تديري فرعنا الجديد في القاهرة. المرتب كان ضخم. والمنصب أكبر من أي حاجة حلمت بيها. قفلت المكالمة وأنا مبتسمة. مش علشان الشغل. لكن علشان لأول مرة… حياتي بقت مليانة اختيارات.

مش تضحيات. وبعدها بأيام، كنت ماشية في جنينة الفيلا وقت الغروب، وأبويا قاعد يسقي شجر الفل. بصلي وقال: — عارفة؟ الفل كبر أهو. ابتسمت. وقلت: — أصل أخيرًا بقى بيتسقى صح. بصلي شوية. وفهم. وفهمت أنا كمان. إن بعض الجروح عمرها ما تختفي تمامًا… لكن ممكن تتحول لحاجة أقوى. حاجة تعلمنا إن محبتنا لنفسنا… مش أنانية. دي نجاة. يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!