Advertisements
Advertisements
منوعات

جوزي خدني معاه حكايات رومانى 2

Advertisements

جلس رامي خلف الباب المغلق لعدة ساعات، يتوسل تارة، ويصرخ تارة أخرى محاولاً إقناعي بفتح الباب. لكنني لم أكن أسمعه؛ كان عقلي يدير المعركة القادمة بكل برود. قمت بتصوير كشف التحويل البنكي، وأرسلته فورًا إلى محامي العائلة، الأستاذ مجدي، مرفقًا برسالة صوتية قصيرة: “أستاذ مجدي، رامي بيصفّي حسابات الشركة وبيهرّب الفلوس بره مصر، وعندي الدليل. بكره الصبح نتقابل في المكتب.”

مع شروق الشمس، خرجت من الغرفة بكامل أناقتي. كان رامي جالسًا على الأريكة في الصالة، ملابسه مجعدة، وعيناه حمراوان من قلة النوم وتحت عينه سواد شديد. بمجرد أن رآني، وقف بلهفة وقال:

“داليا، أنا منمتش طول الليل. فكرت في كل كلمة، أنا مستعد أكتب لك البيت باسمك، وأعملك كل اللي أنتِ عايزاه، بس بلاش موضوع المحاكم والشرطة.. أنا هتدمر.” نظرت إليه ببرود وقلت: “البيت ده أصلًا تمنه لا يساوى ربع فلوسي اللي دخلت بيها معاك شريكة. كلامنا مش هنا يا رامي، كلامنا في المكتب.” تركت المنزل وتوجهت مباشرة إلى مكتب المحامي. هناك، قمنا بطلب جرد مفاجئ وتحفظي على دفاتر الشركة بناءً على شبهة اختلاس وتبديد أموال الشركاء، واستخدمنا كشف التحويل المرسل من ألمانيا كدليل قاطع على تهريب الأموال لحساب السكرتيرة “ندى”.

في تمام الساعة الواحدة ظهرًا، اقتحمت أنا والأستاذ مجدي ومعنا لجنة الجرد مقر الشركة. الصدمة على وجه رامي وندى كانت لا تُقدّر بثمن. ندى كانت ترتجف وهي تحاول إخلاق مكتبها، لكن الأستاذ مجدي استوقفها قائلًا: “مكانك يا آنسة، مفيش ورقة واحدة تخرج من المكتب ده، وإلا هتبقى تهمة إخفاء أدلة جنائية.”

رامي أخذني جانبًا في ممر المكتب، وقال بصوت هامس يملأه الغل والخوف: “أنتِ بتخربي بيتك بإيدك؟ فاكرة لما الشغل يقع أنتِ مش هتتأثري؟”

ضحكت بصوت مسموع وقلت له: “أنا بنقذ حقي من حرامي.. ودي تفرق كتير.”

وفجأة، وأنا واقفة في وسط الشركة، رن هاتفي مرة أخرى من نفس الرقم الألماني الدولي. تحركت بعيدًا عن الضوضاء وفتحت الخط. جاءني صوت المستثمر الألماني وقورًا وهادئًا باللغة الإنجليزية هذه المرة:

“مدام داليا، أتمنى أن تكوني بخير. أردت فقط إعلامكِ أنني أرسلت كافة المستندات الأصلية والفواتير المزورة التي قدمها لي زوجكِ إلى بريدكِ الإلكتروني الشخصي منذ قليل. أنا لا أقبل التعامل مع رجال أعمال غير شرفاء، ولكنني أحترم ذكاءكِ وشجاعتكِ البارحة.”

شكرته بنبرة واثقة، وأغلقت الخط وأنا أشعر بأن الأرض بدأت تهتز تحت قدمي رامي بالكامل. فتحت بريدي الإلكتروني، وكانت المفاجأة أكبر مما توقعت؛ الفواتير المزورة لم تكن تخص هذه الصفقة فقط، بل كانت ممتدة لثلاث سنوات مضت، وبمبالغ خيالية تُثبت أن رامي كان يسرق أرباحي وأرباح الشركة بشكل منظم ليصنع ثروته السرية.

التفتُّ إلى رامي، وعرضت شاشة الهاتف أمام عينيه ليرى الفواتير المسربة. في تلك اللحظة، انهار تمامًا وسقطت هيبته أمام موظفيه.

لكن قبل أن أنطق بكلمة واحدة، تقدمت ندى بخطوات سريعة، وبنبرة حاقدة ومتوترة قالت بصوت عالٍ أمام الجميع: “أنتِ فاكرة نفسك كسبتِ يا داليا؟ فاكرة إنك لما تاخدي الفلوس هترجعي لرامي؟ رامي مش ليكي أصلًا.. رامي متجوزني أنا رسمي بقاله سنة، والفلوس دي كانت مهري ومستقبلنا سوا!”

وقع الخبر على رامي كالصاعقة، ونظر إلى ندى برعب وكأنه يرجوها أن تصمت، بينما التفت الموظفون جميعًا ينظرون إليّ ليروا رد فعلي بعد هذه الطعنة الجديدة. الصمت الذي حلّ في ردهة الشركة كان أشد ثقلًا من صمت طاولة العشاء بالأمس. كانت العيون كلها معلقة بوجهي، ينتظرون دموعًا، أو صرخة ذهول، أو انهيارًا تليق بزوجة تكتشف خيانة زوجها وزواجه السري في العلن وأمام موظفيها. لكنني لم أفعل أيًا من ذلك. نظرت إلى ندى، ثم إلى رامي الذي كان يتنفس بصعوبة وكأنه يُخنق، ورفعت حاجبي بابتسامة باردة جعلت ندى تتراجع خطوة للخلف بنفاد صبر.

وقلت بنبرة هادئة هبطت كالمقصلة:

“متجوزك؟ طيب كتر خيرك يا ندى.. أنتِ مش عارفة الكلمتين دول وفروا عليا وقت ومجهود قد إيه قدام محكمة الأسرة.”

التفتُّ إلى الأستاذ مجدي، المحامي، الذي كانت علامات الرضا تلوح على وجهه، وسألته بصوت مسموع:

“أعتقد كده يا متر، تهمة الجمع بين زوجتين بدون إخطار الزوجة الأولى، مع تبديد أموال الشراكة وتحويلها لزوجة ثانية بعقود صورية.. تخلي موقفنا في ق*ضية الطلاق للضرر وحبس التبديد في المضمون، مش كده؟”

أومأ الأستاذ مجدي برأسه وقال وهو يدون في دفتره:

“تمامًا يا فندم. ده غير إن إقرار الآنسة.. قصدى المدام ندى علنًا وبحضور شهود إن الفلوس دي كانت ‘مهرها’ من أموال الشركة، بيخليها شريكة رسمية في تهمة الاختلاس وتسهيل الاستيلاء على أموال الشركاء.”

في تلك اللحظة، تغيرت ملامح ندى تمامًا. اختفت نظرة التشفي وحل محلها ذعر حقيقي. نظرت إلى رامي وهتفت برعب: “رامي! اتكلم! قولهم إن ماليش دعوة بفلوس الشركة! أنت اللي قلت لي هأمن مستقبلك ومستقبل ابننا اللي جاي!” “ابننا؟” خرجت الكلمة من فم رامي بهمس باهت. التفت إليها وعيناه متسعتان بجنون: “أنتِ حامل؟”

لكن ندى لم تجبه، كانت تبكي بخوف وهي ترى رجال لجنة الجرد يضعون الأختام على ملفات مكتبها، ويستدعون أمن المبنى لمنع أي شخص من المغادرة لحين وصول شرطة الأموال العامة بناءً على البلاغ العاجل الذي قدمه محاميّ.

مشيت بخطوات ثابتة نحو مكتب رامي الرئيسي. دخلت، وجلست على مقعده الجلدي الفخم، ووضعت حقيبتي على مكتبه. لحق بي رامي كالمجنون، وأغلق الباب خلفه، وجثا على ركبتيه للمرة الثانية في أقل من أربع وعشرين ساعة.

“داليا.. أرجوكي، ارحميني. أنا اضحك عليا، ندى هي اللي وزتني، هي اللي كانت بتزن عشان أأمنها وأأمن الولد. أنا بحبك أنتِ، أنتِ الأصل.. البيت والشركة وكل حاجة تحت رجلك، بس بلاش السجن.. بلاش الفضيحة، أبوس إيدك!”

نظرت إلى ساعتي برقة، ثم نظرت إليه وقلت: “عارف يا رامي.. المستثمر الألماني لما بعت لي الفواتير المزورة، بعت معاها جملة باللغة بتاعته.. قال لي إن أسوأ أنواع الرجال هو من يأكل من خير امرأة ثم يدعي أمام الرجال أنه يطعمها. أنت مش بس سرقت فلوسي، أنت حاولت تسرق كرامتي وتقديري لنفسي.” وقفت، وعدلت ياقة جاكيتي، ونظرت إليه من الأعلى:

“الشرطة على الباب بره يا رامي. ندى خانت ثقتك وبلغت عنك بغبائها، والمستثمر الألماني دمر غطاك الدولي، وأنا هنا عشان أسترد كل مليم أخدته مني.. بالفوائد.”

فتحت الباب لأخرج، فاستوقفني صوته الباكي المكسور:

“مش هيرحموني جوه يا داليا.. هيضيعوني.”

التفتُّ إليه بابتسامة أخيرة وقلت:

“خد راحتك خالص في الحبس يا رامي.. أساسًا الأجواء جوه مش محتاجة شكل شيك.”

خرجت إلى ممر الشركة، وكان رجال الشرطة يقتربون من مكتب الإدارة. لكن في تلك اللحظة بالذات، وبينما كنت أظن أنني أغلقت كل الثغرات، اهتز هاتفي في يدي معلنًا وصول رسالة جديدة.. من رقم مجهول آخر، لكنه هذه المرة رقم محلي من داخل مصر.

فتحت الرسالة، وتجمدت الدماء في عروقي وأنا أقرأ الكلمات المكتوبة تحت صورة ملتقطة لي الآن، وأنا أخرج من مكتب رامي: “فاكرة إنك بكده كسبتِ؟ رامي مجرد عروسة خشبية في اللعبة الكبيرة.. الفلوس اللي اتهربت بره مصر مش في حسابه ولا حساب ندى.. الفلوس في حساب حد تاني خالص، والورق اللي معاكي لو طلع للنور.. أنتِ أول واحدة هتتسجن معاهم بتهمة التوقيع على الشيكات الفاضية.” شعرت بالهواء ينسحب من صدري مرة أخرى. الشيكات الفاضية! تذكرت فجأة ذلك الدفتر القديم الذي جعلني رامي أوقع عليه “على بياض” قبل سنوات بحجة تسهيل المعاملات البنكية أثناء سفري..

التفتُّ ببطء نحو الممر، وكانت عينا رامي تلتقي بعيني من بعيد.. ولم تكن فيهما نظرة انكسار، بل كانت هناك ابتسامة خبيثة بدأت ترتسم على شفتيه، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!