
تركني أبي وأمي بعد أن شوهت النيران وجهها وجسدها لأنه كان يريد “زوجة جميلة”… وعندما عاد بعد 25 عامًا، حرصت أن يتعلم درسًا لن ينساه أبدًا.
كنت في الثانية من عمري فقط عندما حملتني أمي وركضت بي خارج منزلنا المشتعل.
تسبب تسرب غاز في المطبخ بانفجار هائل أثناء الليل، وانتشرت النيران في أرجاء المنزل خلال دقائق.
في ذلك الوقت كان والدي الحاج محمود مسافرًا في رحلة عمل خارج القاهرة.
لكن عندما عاد ورأى ما حدث لأمي أمينة، قال كلمات لم أنسها طوال حياتي.
قال إنه لا يستطيع أن يعيش مع “امرأة بهذا الشكل.”
وقال إنه ما زال شابًا بما يكفي ليتزوج امرأة جميلة يستمتع بالنظر إليها.
كلماته حطمت قلب أمي.
دمرتها تمامًا.
أتذكرها وهي تعمل فترتين يوميًا في مطعم شعبي صغير حتى توفر لي كل ما أحتاجه، وفي الوقت نفسه تدفع تكاليف علاجها وعملياتها الطبية.
ورغم كل ما فعله بها…
لم تتحدث عنه بسوء يومًا.
لم تشوه صورته أمامي.
مع أنه اختفى من حياتنا تمامًا.
ولم نسمع عنه أي خبر بعد ذلك.
عندما أنهيت الثانوية العامة، قررت أن أساعد أمي بأي طريقة أستطيعها.
اجتهدت في العمل لسنوات.
حتى تمكنت أخيرًا من افتتاح متجر ملابس خاص بي في الإسكندرية.
الأسبوع الماضي ذهبت لزيارة أمي.
كان يوم ميلادي.
وكل ما أردته هو أن أقضي بعض الوقت معها.
أشعلنا الفحم في فناء المنزل الصغير.
وأعددنا عشاءً بسيطًا.
وقضينا أمسية هادئة مليئة بالذكريات.
ثم فجأة…
سمعنا طرقًا على الباب.
نهضت وذهبت لأفتحه.
وبمجرد أن فتحته…
تجمدت في مكاني.
كان والدي يقف أمام الباب.
بعد خمسة وعشرين عامًا كاملة.
لكن من الواضح أن الحياة لم ترحمه.
كان يرتدي ملابس قديمة ومهترئة.
وحذاؤه بدا وكأنه سيتفكك من شدة الاستهلاك.
تنحنح بصعوبة وقال:
— يا ابني… الحمد لله إني شوفتك.
وقفت أحدق فيه غير مصدق.
وفي تلك اللحظة وصلت أمي إلى المدخل.
وما إن رأته حتى تجمدت هي الأخرى.
سألته بصوت مرتجف:
— بابا… إنت بجد؟! لكن… إنت عايز إيه؟
خفض عينيه إلى الأرض وقال بصوت مكسور إنه أعلن إفلاسه.
وأن زوجته الثانية تركته بعد أن استولت على كل ما يملك.
وأنه لم يعد يمتلك حتى مكانًا ينام فيه.
ثم نظر إلينا برجاء.
وطلب مساعدتنا.
كان شعورًا غريبًا للغاية أن أسمع كل ذلك.
لكن في الحقيقة…
كنت أعرف مسبقًا تمامًا ما الذي سأفعله.
نظرت إليه مباشرة وقلت:
— يا أبي… سأساعدك في كل شيء. المال، والسكن، وكل ما تحتاجه.
لكن عندي شرط واحد فقط.
وستفعل بالضبط ما سأطلبه منك. ابتسمت ابتسامة هادئة جعلته يرفع رأسه نحوي بسرعة. سألني بتردد: — أي شرط؟ أشرت إلى أمي الجالسة خلفه وقلت: — ستعيش هنا معنا شهرًا كاملًا… لكن ليس كضيف. عقد حاجبيه باستغراب.
— يعني إيه؟ قلت ببرود: — ستعيش كما عاشت أمي طوال السنوات الماضية. ستعمل معنا في البيت. ستساعدها في كل شيء. وستسمع منها كل يوم ما الذي مرت به بسبب قرارك. نظر إلى أمي ثم إليّ. وبدا عليه الانزعاج. لكنه كان في وضع لا يسمح له بالرفض. فوافق. في اليوم التالي بدأت رحلته. استيقظ قبل الفجر ليساعد أمي في تجهيز الطعام الذي كانت تبيعه لبعض الجيران. حمل الصناديق الثقيلة. ونظف الفناء. وغسل الأواني. وكان جسده المنهك يصرخ من التعب.
لكن ذلك لم يكن الجزء الأصعب. الأصعب كان أنه صار يرى الحقيقة كل يوم. رأى الندوب التي تغطي ذراعي أمي ووجهها. ورأى الألم الذي ما زالت تخفيه خلف ابتسامتها. وذات مساء جلسنا جميعًا نتناول العشاء. فجأة انفجر بالبكاء. بكاءً حقيقيًا لم أره من قبل. وقال لأمي: — سامحيني يا أمينة… كنت جبانًا. لم ترد. فأكمل: — كنت أنانيًا. فكرت في نفسي فقط. هربت لأنني لم أستطع مواجهة الواقع. ظل يبكي لدقائق طويلة. ثم قال: — كل يوم أعيش فيه هنا يجعلني أكره الشخص الذي كنت عليه.
نظرت أمي إليه بهدوء. ثم قالت: — أنا سامحتك من زمان يا محمود. رفع رأسه إليها غير مصدّق. لكنها أكملت: — سامحتك لنفسي… عشان أقدر أكمل حياتي. لكن المسامحة مش معناها إن اللي حصل اتنسى. خفض رأسه مرة أخرى. ومرت الأسابيع. وخلال الشهر كله لم يطلب مالًا. لم يطلب بيتًا. لم يطلب شيئًا. كان فقط يحاول التكفير عن ذنب عمره. وفي آخر يوم من الشهر، أخذته معي إلى الإسكندرية. أوقفته أمام متجر الملابس الكبير الذي أملكه.
ثم سلمته ملفًا. نظر إليه باستغراب. فتح الملف فوجد عقد عمل. سألني بدهشة: — ده إيه؟ قلت: — وظيفة. — وظيفة؟ — نعم. مرتب بسيط وسكن صغير فوق المخزن. بداية جديدة إذا كنت تريدها. امتلأت عيناه بالدموع. وقال: — بعد كل اللي عملته… لسه مستعد تساعدني؟ نظرت إليه طويلًا ثم أجبت: — أنا لا أفعل هذا من أجلك فقط. أفعل هذا من أجل أمي. لأنها علمتني أن الإنسان لا يصبح أفضل بالا-نتقام… بل بالعدل. سكت للحظة.
ثم أضفت: — لكن افهم شيئًا مهمًا يا أبي… المال يمكن تعويضه. والبيت يمكن بناؤه من جديد. أما خمسة وعشرون عامًا ضاعت من عمرنا… فلن تعود أبدًا. انهار باكيًا. ولأول مرة منذ عرفته… لم يحاول تبرير نفسه. بعد عامين، استقرت حياته قليلًا. وكان يزور أمي بين الحين والآخر. لا كزوج عاد ليستعيد مكانه. بل كرجل يحمل ندمه معه كل يوم. أما أمي… فظلت أقوى امرأة عرفتها في حياتي. امرأة شوهت النيران وجهها… لكنها لم تستطع أن تشوه قلبها.
وذلك كان الدرس الذي لم ينسه أبي أبدًا.
وبينما كنت أعتقد أن القصة انتهت عند هذا الحد…
حدث أمر لم يكن يتوقعه أحد. في أحد الأيام، اتصل بي والدي وطلب أن يراني على انفراد. التقينا في مقهى صغير بالقرب من المتجر. كان يبدو متوترًا بشكل غريب. أخرج ظرفًا قديمًا من حقيبته ووضعه أمامي. وقال: — احتفظت بده سنين طويلة… وكان لازم أوصلهولك من زمان. فتحت الظرف بحذر. وفي داخله وجدت عشرات الصور القديمة. صور لأمي قبل الحريق. وصور لي وأنا طفل صغير. لكن ما لفت انتباهي أكثر كان مجموعة من الرسائل. رسائل مكتوبة بخط يد والدي.
سألته باستغراب: — إيه ده؟ تنهد طويلًا وقال: — بعد ما سبتكم… كنت بكتبلكم رسائل كل فترة. — وما بعتهاش ليه؟ أطرق رأسه خجلًا. — لأني كنت جبان. كل مرة أكتب فيها رسالة، أخاف من ردكم… فأحتفظ بيها وأقول أبعتها بعدين. بدأت أقرأ بعض الرسائل. كانت مليئة بالندم. وفي إحداها كتب: “اليوم عيد ميلاد ابني العاشر… ولا أعرف حتى شكله الآن.” وفي أخرى: “أخشى أن يكبر وهو يظن أنني لم أحبه يومًا.” أغلقت الرسائل وأنا أشعر بشيء غريب في صدري.
لم تكن الرسائل تمحو ما فعله. لكنها كشفت حجم الندم الذي عاشه طوال تلك السنوات. ثم قال لي بصوت منخفض: — فيه حاجة تانية لازم تعرفها. رفع نظره نحوي وأضاف: — أنا مريض. تجمدت في مكاني. — مريض إزاي؟ — القلب. وأوضح أن الأطباء أخبروه أن حالته تزداد سوءًا، وأنه قد يحتاج إلى عملية معقدة. سكت قليلًا ثم قال: — ما طلبتش أشوفك النهارده عشان تساعدني. بس كنت عايزك تعرف الحقيقة. عدت إلى المنزل وأنا أفكر طوال الليل.
وفي الصباح ذهبت إلى أمي وأخبرتها بكل شيء. ظلت صامتة لدقائق. ثم قالت: — هنساعده. نظرت إليها بدهشة. — بعد كل اللي عمله؟ ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت: — لأننا مش زيه. وبالفعل… تكفلنا بعلاجه. وأجرى العملية بنجاح. لكن بعد أشهر قليلة فقط، طلب أن يجمعنا جميعًا في منزل أمي. جلسنا في الفناء نفسه الذي وقف فيه قبل سنوات طالبًا المساعدة. وأخرج ملفًا جديدًا. هذه المرة كان يحتوي على وصية قانونية. نظر إلينا وقال: — ما عنديش ثروة كبيرة… لكن كل اللي أملكه هيبقى لابني.
ثم التفت إلى أمي. وكانت عيناه تلمعان بالدموع. وقال: — وأكبر ندم في حياتي… إني ضيعت امرأة زيك. ساد الصمت. ثم نهضت أمي وقالت بهدوء: — خلاص يا محمود… كفاية لوم لنفسك. وفي تلك اللحظة أدركت شيئًا مهمًا. أحيانًا أقسى عقاب يمكن أن يناله الإنسان… ليس الفقر. ولا المرض. ولا الوحدة. بل أن يقضي ما تبقى من عمره وهو يعرف أنه خسر أعظم الأشخاص في حياته بيديه هو.
